لا يبدو الحراك الأوروبي المتجدّد تجاه لبنان منفصلاً عن السباق الدولي على رسم ملامح المرحلة المقبلة، ولا سيما في الجنوب. فخلف عناوين الدعم المالي والعسكري، ومحاولات إظهار الاتحاد الأوروبي بوصفه شريكاً مساعداً لا طرفاً متدخّلاً، تتقدّم هواجس أوروبية من خسارة ما تبقّى من نفوذ في الساحة اللبنانية لمصلحة الولايات المتحدة. وبين زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس إلى بيروت، والبحث عن بدائل لقوات اليونيفيل، تحاول أوروبا تثبيت حضورها في مرحلة تبدو فيها الكلمة الفصل لواشنطن، فيما لا تزال المبادرات الدبلوماسية أسيرة انتظار التطورات الإقليمية. أفادت مصادر أمنية لـِ "المدن" بأنّ زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، إلى لبنان، جاءت تمهيداً لوصول بعثة أوروبية جديدة الشهر المقبل، تتولّى تقديم الدعم والمساعدة للجيش اللبناني والقوى الأمنية، من خلال مهام استشارية وبرامج تدريبية. وبحسب المصادر، من المقرّر أن تتمركز عناصر البعثة في ثكنات عسكرية ومراكز تدريب، ولن توجد في الجنوب اللبناني باعتبار أن دورها يقتصر على التدريب وتقديم المشورة والدعم للمؤسسات الأمنية والعسكرية اللبنانية من دون أي انتشار ميداني في المناطق. دعم أمني يتجاوز حدود المساعدة تسعى دول الاتحاد الأوروبي، سواء بصورة جماعية أو عبر تحرّكات منفردة، إلى إعادة تثبيت حضورها في لبنان، وإنْ تحت عناوين لا توحي بالضرورة بوجود طموحات سياسية تتجاوز إطار المساعدة. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة كايا كالاس إلى بيروت دلالات تتخطّى الطابع البروتوكولي، خصوصاً أن تأكيدها أن الاتحاد الأوروبي موجود للمساعدة لا للتدخّل، يأتي في لحظة يتراجع فيها الهامش المتاح للأوروبيين للتأثير في مسار الملفات اللبنانية. وتوضح مصادر أوروبية لـِ "المدن" أن زيارة كالاس جاءت بعد الموافقة على برنامج المساعدات الأوروبية المخصّص للأجهزة الأمنية اللبنانية، وقبيل انطلاق تنفيذه المرتقب مع نهاية العام الحالي. وهو برنامج يندرج، وفق الخطاب الأوروبي المعلن، في إطار تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية والجيش اللبناني، استكمالاً للتوجّه الذي سبق أن أكّدت عليه سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان. لكنّ ما يتجاوز البرنامج الأمني هو محاولة الاتحاد الأوروبي الحفاظ على موقعه في المعادلة اللبنانية، في ظلّ انتقال الثقل السياسي والعسكري والدبلوماسي بصورة متزايدة إلى الجانب الأميركي. فالمساعدات، على أهميتها، ليست وحدها ما يشغل الأوروبيين، بل أيضاً الدور الذي يمكن أن يؤدّوه في ترتيبات المرحلة المقبلة، وتحديداً في الجنوب اللبناني. ما بعد اليونيفيل: هواجس الفراغ والإقصاء وفق معلومات "المدن"، أبدت كالاس خلال لقاءاتها في بيروت موقفاً واضحاً لمصلحة استمرار وجود قوة دولية في الجنوب اللبناني بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، انطلاقاً من قناعة أوروبية بأن ترك المنطقة من دون أي آلية رقابة دولية قد يفتح الباب أمام مخاطر أمنية وسياسية إضافية. غير أنّ هذا الموقف لا ينفصل عن هاجس آخر، يتمثّل في احتمال إقصاء الأوروبيين عن ترتيبات الجنوب، وترك إدارة هذا الملف للولايات المتحدة وحدها. فالاتحاد الأوروبي، الذي شكّلت دوله جزءاً أساسياً من الحضور الدولي في الجنوب عبر اليونيفيل، لا يريد أن يجد نفسه خارج المعادلة الجديدة، أو أن يتحوّل دوره إلى مجرّد مساهم مالي في ترتيبات لا يشارك في صياغتها. وتشير المصادر إلى أن القلق الأوروبي لا يقتصر على النفوذ الأميركي، بل يشمل أيضاً احتمال لجوء دول أوروبية إلى مبادرات منفردة، من خلال إرسال بعثات أو قوات إلى الجنوب خارج إطار تنسيق مشترك مع مؤسسات الاتحاد. وهو ما قد يكرّس تشتّت الموقف الأوروبي، بدلاً من تحويله إلى قوة تفاوضية موحّدة. من هنا، يفضّل الاتحاد الأوروبي تعزيز التعاون المباشر مع الدولة اللبنانية، والبحث عن صيغة تضمن استمرار الحضور الدولي بالتنسيق مع الأمم المتحدة، بعيداً عن المبادرات المتفرّقة التي قد تُضعف موقعه السياسي. لكنّ ترجمة هذه الرغبة إلى ترتيبات عملية لا تبدو سهلة. فبحسب المصادر الأوروبية، ثمة محاولات للتواصل مع الأمم المتحدة واستكشاف الخيارات الممكنة لمرحلة ما بعد اليونيفيل، إلّا أنّها تصطدم، من بين عقبات أخرى، بغياب موقف لبناني عملي وواضح. وتعتبر المصادر أن لبنان لم يبادر بعد إلى تحديد مطالبه بصورة رسمية ودقيقة أمام الأمم المتحدة، على الرغم من المواقف التي أعلنها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بشأن ضرورة استمرار نوع من الحضور الدولي في الجنوب. وهكذا، يبدو أن الأوروبيين يبحثون عن صيغة للحضور، فيما لم تتبلور بعد رؤية لبنانية مكتملة لطبيعة هذا الحضور وصلاحياته، أو لمدى انسجامه مع الدور المستقبلي للجيش اللبناني. أوروبا تعرض خدماتها في