تصادف السنة الحالية الذكرى السبعين للمؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي، الذي ألقى خروشوف في جلسته الختامية تقريره "السري" الشهير عن "عبادة الفرد وعواقبها". ووجد الإعلام في هذه الذكرى مناسبة للعودة إلى مناقشة الحضور الراهن لصورة ستالين في الذاكرة الروسية. وعلى الرغم من رحيل الديكتاتور منذ أكثر من 70 سنة، لم يتوقف النقاش، داخل روسيا وخارجها، حول هذه الشخصية الإشكالية المحورية في الحقبة البلشفية من تاريخ روسيا الحديث. وتكمن أهمية تقرير خروشوف في أنه كسر حاجز الخوف، وأخرج إلى العلن الهمس الذي كان يدور خلف الأبواب المغلقة حول شخصية ستالين وأهوال سنوات حكمه. لم تطل سنوات ما يمكن أن يسمى "ذوبان الجليد الأول" الذي افتتحه تقرير المؤتمر العشرين، إذ سرعان ما أطاح الحرس الستاليني بنيكيتا خروشوف، وأخذت صورة ستالين تعود تدريجياً إلى روسيا ومحمياتها السوفياتية. وكانت أولى تباشير العودة التدريجية لصورة الديكتاتور الدموي إحياء الاحتفال بعيد النصر على ألمانيا النازية، بعدما كان ستالين نفسه قد ألغى عام 1947 معظم النشاطات الرسمية التي كانت تقام بهذه المناسبة، بما فيها العرض العسكري في الساحة الحمراء. وكانت العودة إلى إحياء الاحتفال بعيد النصر تشير إلى أن الحرس الستاليني لم يكن بحاجة إلى استعادة الصورة الكاملة للديكتاتور. فقد كانت هذه الصورة مثقلة بما كشفه تقرير المؤتمر العشرين عن عواقب عبادة الفرد والجرائم التي ارتكبها ستالين في عهده. وكان المطلوب استعادة صورة ستالين المنتصر على هتلر، لا صورة ستالين المرتبطة بمعسكرات الاعتقال والتصفيات الجسدية والتجويع الممنهج. تنبهت النخب السوفياتية إلى مخاطر استعادة صورة ستالين تدريجياً وبصورة جزئية. وفي عام 1966، وجّه خمسة وعشرون من أبرز العلماء والكتاب والفنانين السوفيات رسالة مفتوحة إلى ليونيد بريجنيف، حذّروا فيها من اتجاهات رأوا أنها تمهّد لإعادة الاعتبار إلى ستالين، كلياً أو جزئياً، وطالبوا بعدم التراجع عن قرارات إدانة عبادة الشخصية. والجدير بالذكر أن الصحافة السوفياتية لم تنشر نص الرسالة آنذاك، بل أعادت صحيفة نوفايا غازيتا (Novaya Gazeta) نشرها في شباط/فبراير 2010، وفقاً لما أورده الذكاء الاصطناعي. خلال ما سُمّي "عهد الجمود"، الذي أعقب إزاحة خروشوف، استمر الحرس الستاليني في فرض رقابة مشددة على محاولات الكشف عن جرائم عهد ستالين. أما سنوات البيريسترويكا، بين عامي 1985 و1991، فكانت فترة نشاط مكثف في الكشف عن هذه الجرائم وتوثيقها، مما ساهم في تقويض شرعية الحزب الشيوعي السوفياتي. لكن هذا التيار لم يقف مكتوف اليدين، بل نشط في التصدي لمحاولات الإصلاح التي نادت بها البيريسترويكا، وإن بفعالية أقل. فقد انتقلت السلطة التي كان يحتكرها الحزب الشيوعي السوفياتي إلى أيدي إصلاحيي البيريسترويكا، لكن ليس بصورة كاملة. واستمر الحرس الستاليني في مقاومة إصلاح النظام السوفياتي من داخله، وظل يحتفظ ببعض المواقع، ولا سيما في الأرياف، وكذلك في بعض المؤسسات الإعلامية، مثل صحيفة "سوفيتسكايا روسيا" (Sovetskaya Rossiya)، التي كانت تنطق باسم حكومة جمهورية روسيا السوفياتية. اكتسبت هذه الصحيفة أهمية خاصة في الدفاع عن ستالين، بعدما نشرت رسالة لإحدى الشيوعيات من مدينة لينينغراد (سانت بطرسبورغ حالياً)، دافعت فيها عن إرث ستالين وانتقدت إصلاحات ميخائيل غورباتشوف ومراجعة التاريخ السوفياتي. ونظراً إلى الصفة الرسمية للصحيفة، اكتسب نشر الرسالة أهمية سياسية كبيرة، إذ بدا أنه يمنح التيار الشيوعي المحافظ منبراً للدفاع عن ستالين في مواجهة سياسة الانفتاح وإعادة النظر في الماضي، وفقاً لما أورده موقع "ميديازونا" الروسي في آذار/ مارس 2017، كما يشير الذكاء الاصطناعي. في تسعينيات القرن الماضي، وبعد سقوط الاتحاد السوفياتي، لم يعد الدفاع مقتصراً على ستالين، بل امتد ليشمل إرث لينين والتراث السوفياتي ككل. واكتسب هذا التوجه زخماً أكبر بكثير مما كان عليه خلال فترة البيريسترويكا، إذ دخلت روسيا مرحلة اقتصاد السوق، وما رافقها من تحرير لإصدار الصحف وتأسيس الأحزاب السياسية. واستفاد الشيوعيون المحافظون من هذه التحولات أيضاً، فأسسوا حزباً شيوعياً تولت أمانته العامة نينا أندرييفنا، الشيوعية صاحبة الرسالة المذكورة. لكن الخطوة الكبرى في عودة ستالين إلى روسيا جاءت مع تسلّم الجهاز الأمني السلطة في الكرملين، ممثلاً بفلاديمير بوتين. لم يعلن بوتين رسمياً تبنّي سياسة تستعيد صورة ستالين بوصفه قائداً حازماً ومنتصراً على ألمانيا النازية، لكنه شجّع انتشار التماثيل والنصب التذكارية الخاصة به. وفي السنوات التي سبقت غزو أوكرانيا، جرى تقديم ستالين، في جانب من الخطاب الرسمي والإعلامي الروسي، بوصفه "مديراً ناجحاً" (successful manager)، مع التركيز على دوره في انتصار الاتحاد السوف