لم تُعلن تفاصيل وافية عن زيارة الرئيس الشرع إلى السعودية، ولقائه بولي العهد السعودي محمد بن سلمان. الزيارة غاب عنها الطابع الاحتفالي الذي ميّز لقاءات سابقة بينهما، ليضعها في إطار أكثر جدية وغموضاً في آن. في السابع من هذا الشهر، بعد يوم من الزيارة، أتى نشر تقرير لرويترز كأنما ليسدّ فجوة في المعلومات عنها، فأشار إلى طلب ولي العهد من ضيفه إرسال قوات سورية لقتال الحوثيين في اليمن. بدوره، لم يتخلف موقع "أكسيوس" عن المساهمة في الفرضية ذاتها، ففي يوم نشر تقرير رويترز نشر الموقع تقريراً بعنوان: سوريا تدرس إرسال قوات إلى اليمن لقتال الحوثيين. التقرير أعده باراك رافيد نقلاً عن ثلاثة مسؤولين أميركيين، ونقل عن "مصدر مطلع على المباحثات" أن النية متجهة إلى إرسال ما بين 10 آلاف و20 ألف مقاتل، وأن الوحدات قيد الدراسة هي الفرقة 90 المتمركزة قرب دمشق، والفرقة 84 المتمركزة قرب السويداء. أورد تقرير رويترز في المقابل إنكار مستشار الرئاسة الإعلامي أحمد موفق زيدان قصة إرسال مقاتلين إلى اليمن، لكن الإنكار لا ينفي الفكرة من أساسها، خصوصاً أنها ليست المرة الأولى التي تحضر فيها فرضية إرسال مقاتلين سوريين للقتال في الخارج، ففي أكثر من مناسبة سابقة أشار ترامب إلى إرسالهم إلى لبنان لقتال حزب الله وتجريده من سلاحه. في المحصّلة، يُستنتج أن الإمكانية متوفرة حقاً، بوجود فائض من العسكرة يمكن الزجّ به في معارك خارج سوريا، وذلك يتوقف فقط على القرار السياسي المرتبط بالحسابات الخارجية حصراً. حتى الآن من المستبعد حدوث ما ورد في تقريري رويترز وأكسيوس، وما تمنّاه ترامب من قبل. مع ذلك، كلما حضر الحديث عن إرسال القوات خارج الحدود، برزت المفارقة الكبير بين إرسالها للقتال في الخارج وتوغل القوات الإسرائيلية في الجنوب السوري بحرية مطلقة؛ متى وكيفما تشاء. وهذه مفارقة تصلح للاستهلاك على السوشيال ميديا لا أكثر، لأنها تنطوي على شبهة قدرة القوات المعنية على التصدي لإسرائيل، وتساوي بين ذلك وبين الذهاب برعاية دولية أو إقليمية لقتال حزب الله أو الحوثيين. وإذا توخينا مزيداً من الواقعية، الذهاب لقتال الحوثيين ليس مضمون النتائج، فالحرب على الحوثيين مستمرة هناك منذ سنوات بلا قدرة على الحسم. يحضر في السياق ما كان يُقال عن تدخل جمال عبدالناصر في اليمن، إذ اعتُبر الأخير بمثابة فيتنام للأول. لن يكون الأمر على الإطلاق بمثابة نزهة، ولا تجوز المقارنة هنا بين القتال في اليمن وإرسال جنود سوريين للمشاركة في التحالف الدولي ضد صدام حسين، فآنذاك اقتصر المجهود العسكري السوري على الحضور بجانبه المعنوي، أي من أجل التأكيد على أن الحكومات العربية متحدة ضد صدام، وفعلياً لا تُذكر أية معركة ذات قيمة شاركت فيها القوات السورية آنذاك. في التاريخ أيضاً، من الاستسهال الشديد مقارنة إرسال قوات إلى الخارج حالياً بتدخل حافظ الأسد في لبنان بدءاً من عام 1976. هي مقارنة لا تلحظ الفرق بين الجيشين فيما مضى والآن، فالقوات التي دخلت لبنان هي استمرار للجيش الذي تأسس فعلياً بعد هزيمة حزيران 1967، وتلقّى أفراده تدريباً شاقاً لسنوات فاقت دائماً المدة المنصوص عليها في قانون التجنيد الإلزامي، فضلاً عن العقيدة القتالية التي لم يكن الفساد قد نال منها بعد. بالأحرى كان التدخل العسكري في لبنان إيذاناً باستهلال عهد الفساد على نطاق واسع ضمن المؤسسة العسكرية، ولا شك في أن للفساد دوراً كبيراً في انخفاض الجاهزية القتالية، وهناك الكثير مما يُحكى عن خسائر ضخمة للقوات السورية في لبنان، من دون وجود إحصائيات موثوقة لعدد القتلى. الخسارة التي لا تقل فداحة كانت في خسارة الجيش الإجماع الوطني حوله، فالتدخل في لبنان لم يكن يحظى بشعبية لدى عموم السوريين، ما بدد الرصيد الذي اكتسبه الجيش في حرب تشرين، ليُضاف مع التدخل انكشاف الممارسات الشنيعة، مثل السلب والاستباحة، من قبل القوات التي صارت بلا عقيدة قتالية، وبلا أخلاق محايثة لها. تلك المحصّلة جديرة بالانتباه، كي لا تؤخذ اليوم كلمة "الجيش" أو "القوات" على نحو مجرّد، فتبدو القطعات العسكرية كأنها مؤسسة على أرضية من التقاليد والاحتراف اللذين يؤهّلانها لخوض الحرب أينما كان. الجيش الحالي لم يتشكّل أصلاً ضمن سياق وطني، والمعلوم أنه حصيلة الدمج بين العديد من فصائل وتشكيلات المعارضة. والمعلوم أيضاً أن العسكرة التي مهّد لها الأسد باستخدام الجيش ضد الثائرين عليه هي عسكرة غير وطنية، وغير جامعة. العديد من الفصائل المعارضة كان مرتبطاً بالمجتمعات المحلية، أي أنه متصل بشبكة العصبيات دون الوطنية الموجودة هنا وهناك. أيضاً العديد من الفصائل كان مرتبطاً بأجندات عابرة للحدود، ومنها الارتباط بتنظيمات الجهاد العالمي، والارتباط بحكومات إقليمية ودولية لها حسابات قد لا تتفق مع الأولويات السورية. كان هذا حال العسكرة في س