عندما اندلعت حرب إسناد غزة، التي أطلقها حزب الله في الثامن من أكتوبر عام 2023، وقبل احتلال إسرائيل أي قرية من الجنوب في لبنان، كتبت منشورًا قلت فيه: "جنوب الليطاني سيكون قنيطرة جديدة، والقرى ستمسح من على أرضها، وسينزح كل سكانها ولا عودة لهم إليها، تماماً مثلما لأهل القنيطرة والجولان السوريين". كلفني هذا المنشور الكثير من النقد اللاذع والشتائم والسباب والتخوين من دون أن يتقبّلوا أو يفهموا ما أقصده. كان خوفي أن نلقى هذا المصير وهذا ما حصل فعلاً. فقد تطورت وقائع الحرب ورويدًا رويدًا حدث ما قصدته في منشوري، ليس لأن ما قلته هو ناتج عن إدراك مسبق للحدث قبل وقوعه، بل لأن كل المؤشرات والدلائل كانت تظهر في تبعات حرب غزة الدامية يوماً بعد يوم، حيث أظهرت إسرائيل عزماً مختلفاً عن حروبها السابقة وتبدلاً في خياراتها ونهجها الحربي الجديد في مرحلة ما بعد طوفان الأقصى الذي نفذته حماس. رغم كل هذه التحذيرات والمخاوف التي أبداها أهل الجنوب من تكرار سيناريو غزة على أرض جبل عامل، إلا أن قيادة الحزب أصرّت على مواصلة الإسناد وخوض الحرب على طريق القدس، الذي تمثّل في شعارات حرب الإسناد. أما نتيجة تلك الحرب فتظهر اليوم، حيث أصبح جنوب الليطاني مثل قنيطرة جديدة، حيث القرى الحدودية في الجنوب مدمرة كليًا وممسوحة عن وجه الأرض. وما زال السيناريو عينه مستمراً، وبتنا أمام معادلة زوطر الشرقية التي أشبهها بمجدل شمس جديدة. لماذا أقول هذا اليوم؟ مجدل شمس قرية جولانية شمال هضبة الجولان المحتل، على حافة حدود المناطق السورية المحررة. وتربطني بها علاقات متينة مع أهلها وشبابها المناضلين. عشنا سنوات طوالًا معًا في داخل السجون الإسرائيلية، كنا في زنازين مشتركة وتقاسمنا اللقمة ذاتها. وأهل مجدل شمس، كما قرى قنيا ومسعدة، كانوا يأتون لزيارتي دومًا كأي أسير آخر من الجولان. من زوطر الشرقية كنت أرى مجدل شمس، رغم بعدها.، لأننا أتابع أحوالها. وكان الراحل أيمن أبو جبل، حين يحدثني محاولاً الاطمئنان عني، يقول لي: "أرى زوطر خلف قلعة الشقيف". في المعتقل تعرفت إلى مجدل شمس عن قرب، وحفظت حكايات أهلها، وتلالها، التي أصبحت تُعرف بـِ "تلة الصيحات" أو "تلة الصياح". كان أهالي تلك القرى يذهبون يوميًا إلى الحدود ليتحدثوا إلى أقاربهم وأهاليهم في الجزء الآخر المحرر من مجدل شمس، على تلة أخرى مقابلة. أتذكر أحاديث أقراني السجناء عن مجدل شمس، وأقارنها ببلدتي زوطر الشرقية. هنا يذهب أهل بلدتي إلى أعلى تلة من بلدة شوكين أو من توأمتها زوطر الغربية، ليروا بيوتهم وأشجارهم، وليشاهدوا عن بعد عشرات الأمتار كيف تجول الدبابات الإسرائيلية والجنود في حاراتها، وليروا في عيونهم كيف تُنسف البيوت وكيف تُقتلع أشجار الزيتون والصنوبر. لكن الفرق بين زوطر ومجدل شمس أن بلدتي خالية من أهلها، بينما بقي السكان الأصليون في مجدل شمس. وما يحصل في زوطر الشرقية أشبه بكابوس. لا أحد منّا قادر على تصديق ما حصل وما حلّ بنا، ولا أحد كان قادرًا على التنبؤ بالذي سيحصل. زوطر الشرقية حضنت أبناء قرى العديسة، وكفركلا، ورب ثلاثين، والطيبة، ودير سريان... عندما نزحوا من قراهم الحدودية. لكنها اليوم محتلة وجاء دور أهلها في البحث عمّن يحتضن أبناءها، وأهلها يبحثون عن أعلى تلة مقابلة لها كي يشاهدوا أرضهم وبيوت التي تحترق أمام عيوهم. زوطر الشرقية أولى بلدات شمال الليطاني التي احتلها إسرائيل، وأصبحت نقطة ارتكاز لشمالها المحتل، مثل مجدل شمس شمال في الجولان، التي تعتبر نقطة ارتكاز المحتل، الذي ينطلق منها نحو القنيطرة وقرى درعا. والشبه الثاني أن زوطر الشرقية نقطة انطلاق الإسرائيلي نحو القرى في شمالها، أي النبطية وإقليمها. أما الفرق فيكمن بأن المحتلّ على موعد مع انتخابات الكنيست، وجنوده وعسكره ينتخبون قبل أسابيع من الانتخابات، ولأن زوطر الشرقية بمثابة مركز أساسي شمال الليطاني لإسرائيل، فمن يعلم ربما وضعوا صناديق الاقتراع في بلدتنا، وسط الركام والدمار، كي ينتخب الجنود. أما الجنوب أهله فضائعون في أروقة الخطابات التي تصدح من أعالي المنابر، وسط زحمة المقابر.