في الأشهر الماضية، عملت اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني، برئاسة نائب رئيس الحكومة طارق متري، على توثيق الانتهاكات الإسرائيلية خلال الحرب الأخيرة، وصولاً إلى تقرير من 232 صفحة يضمّ وثائق وصوراً وخرائط وإفادات ومصادر متعددة. لكن ماذا يمكن أن يفعل لبنان بهذه الملفات؟ وهل يمكن أن يتحوّل التوثيق إلى مسار مساءلة فعلي، في ظلّ التعقيدات القانونية والسياسية التي تحيط بالعلاقة مع إسرائيل، والقيود التي يفرضها الواقع الدولي على ملاحقة المسؤولين عن الانتهاكات؟ في إطلالته عبر صحيفة "المدن" يتحدث متري عن طبيعة العمل الذي أنجزته اللجنة، والجهود المستمرة لاستكمال توثيق الانتهاكات الإسرائيلية، والاتصالات مع المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، وبعثة تقصّي الحقائق التي أمضت ثلاثة أشهر في لبنان. كما يشرح العقبات التي تواجه ملاحقة إسرائيل أمام المحاكم الدولية، والحدود التي تصطدم بها محاولات تعويض المتضرّرين من الحرب، معتبراً أنّ التوثيق، وإن لم يكن ضمانة للمحاسبة، إلّا أنّه يكتسب قيمة معنوية وسياسية لا يمكن التقليل منها. ويتناول متري أيضاً العلاقة بين ملف سلاح حزب الله والانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني، مؤكداً ضرورة التمييز بين المسألتين، قبل الانتقال إلى العلاقات اللبنانية السورية، التي يقول إنّها تتقدّم على مختلف الصعد، وإنّ أساسها الجديد ينبغي أن يقوم على المصالح المشتركة، بعيداً من الشائعات والتأويلات. توثيق الانتهاكات: من الوقائع إلى التوصيف القانوني يشرح متري أنّ اللجنة الوطنية للقانون الدولي الإنساني هي لجنة رسمية أُنشئت بمرسوم في العام 2010، وتتمثل مهمتها الأولى في توعية اللبنانيين، العسكريين أولاً والمدنيين ثانياً، بالقانون الدولي الإنساني. أما مهمتها الثانية، فتتعلق بوضع تشريعات لبنانية تتلاءم مع أحكام هذا القانون. ويشير إلى أنّ لبنان لا يزال يفتقر إلى قانون خاص بجرائم الحرب، في وقت أصبحت فيه التشريعات المتعلقة بقوانين الحروب جزءاً من المكتبة القانونية في دول العالم. وهذا النقص، وفق متري، ليس تفصيلاً قانونياً، إنما إحدى المشكلات التي تواجه لبنان عندما يريد الانتقال من توثيق الانتهاكات إلى محاكمة مرتكبيها. لكن ظروف الحرب دفعت اللجنة إلى العمل على توثيق الانتهاكات بمختلف أنواعها، مع تركيز أساسي على الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي الإنساني. ويقول متري "إنّ الصور والشهادات والخرائط والمعلومات متوافرة بكثرة، لكنّ الأهم ليس جمعها فحسب، الأهم إخضاعها لعملية تدقيق وتقاطُع بين المصادر، تسمح بالتحقق من الوقائع وتحديد طبيعتها القانونية. ويشرح أنّ الخبير بالقانون الدولي الإنساني يستطيع إجراء تقاطعات بين المعلومات المتوافرة في الفضاء العام للتأكد من صحتها، قبل الانتقال إلى دراستها من منظور القانون. فالسؤال يتّصل بما إذا كان ما جرى توثيقه يشكّل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، وما إذا كان يمكن تصنيفه جريمة حرب، ولماذا. ويضيف أنّ هذا التوصيف يستند إلى المبادئ الأساسية الناظمة للقانون الدولي الإنساني، ومنها التمييز بين المدنيين والعسكريين، والتناسب، والاحتياط، والضرورة. وبذلك، فإنّ العمل الذي تقوم به اللجنة يشمل إعادة تنظيمها في إطار قانوني يُظهر طبيعة الانتهاكات ومدى مخالفتها للقواعد التي تحكم العمليات العسكرية. يؤكد متري أنّ التقرير يتجدّد باستمرار، مع إضافة تقارير خاصة عن القرى التي دُمّرت بالكامل وجُرّفت. ويشير في هذا السياق إلى قرى في جنوب ما تسمّيه إسرائيل "الخط الأصفر"، ومنها بليدا ويارون ورشاف. ويرى أنّ تدمير قرى وبلدات بصورة كاملة، وجعلها غير قابلة للحياة، قد يشكّلان جريمة حرب، وربما جريمة ضد الإنسانية، وفق التوصيف الذي يطرحه، معتبراً أنّ ما يحدث في بعض هذه المناطق يمكن وصفه بأنّه "إبادة حضرية"، أي إبادة بلدة وتدمير مقوّمات الحياة فيها بصورة تجعلها غير قابلة للحياة كلياً. ويشدّد على أنّ هذا العمل مستمر ومتجدّد، لأنّ توثيق الانتهاكات يحتاج إلى متابعة الوقائع الجديدة، وإضافة المعلومات، والتدقيق في الأدلة، بما يسمح ببناء ملف أكثر اكتمالاً يمكن الإفادة منه في المسارات القانونية والحقوقية والسياسية. في حزيران الماضي، توجّه متري إلى جنيف باسم الحكومة اللبنانية، بعد صدور الإطار الثلاثي الذي يتضمن المادة 13 المرتبطة بالملاحقة القضائية، وعرض أمام مجلس حقوق الإنسان أبرز ما جاء في التقرير اللبناني. ويشير إلى أنّ هناك اختلافاً في تفسير المادة المذكورة. فالنص الإنكليزي يتحدث عن إنهاء للمقاضاة، فيما فسّرها بعضهم على أنّها تعليق لها. لكنه يشدّد على أنّ هذا الاختلاف لا يعلّق الحق في توثيق الانتهاكات، وأنّ العمل الذي تقوم به اللجنة مستمرّ بصرف النظر عن الجدل المتعلق بتفسير المادة. ويقول إنّ عرض التقرير