في العاشر من تشرين الأوّل 2023، كانت أحوال القرى الحدودية قد انقلبت رأساً على عقب. خرج أبناؤها تحت الرصاص بدءاً من اليوم الثامن، تاركين خلفهم موسم قطاف الزيتون الذي كان في بدايته. وبعد أقلّ من عام، كان أبناء قرى "الخطّ الثاني"، أي قرى صور والنبطية، يغادرون بيوتهم وأراضيهم قبل بدء القطاف. وكأنّ العدوّ يتعمّد ترك الزيتون يتيماً. واليوم، يسابق مَن عادوا إلى بيوتهم وأراضيهم الوقت، خوفاً من تجدّد الحرب وخسارة الموسم الحالي. على أنّ بعض المكاسب الموسمية، لا تلغي حقيقة أنّ الخسائر هائلة. وأنّ مواسم القرى الآمنة نسبياً، يقابلها مواسم تحوّلت إلى ذكريات ستبقى غصّة في قلوب النازحين، خصوصاً عندما يشاهدون أشجار الزيتون ويسمعون ضجيج المعاصر. على عجل، سارَع معظم أصحاب كروم الزيتون أو متعهّدي قطافها، إلى الحقول لالتقاط الثمر خوفاً من حرب مباغتة تُفقِدهم موسمهم الذي يعوّلون عليه لتأمين حاجتهم من زيتون وزيت، وبيع الفائض لتأمين معيشتهم. وفي مرحلة ما قبل "حرب الإسناد" التي باتت شعاراً لوصف مرحلة تهجير أبناء القرى الحدودية إثر إطلاق حزب الله عملياته على العدوّ الإسرائيلي بحجّة إسناد غزة، كان بدء موسم الزيتون يتأخّر إلى حدود العاشر من تشرين الأول، إلاّ مَن أراد زيتاً بِكراً "خضيراً"، فيبدأ قبل ذلك بأيام. من بلدة "معركة" قضاء صور، يحزم حسن حسّان عدّته ويذهب إلى كرم زيون في بلدة قريبة، تسمّى دير قانون النهر، حيث اعتاد تعهّد قطاف أكثر من حقل، بعد الاتفاق مع أصحابها على القيمة، والتي تكون غالباً كميات من الزيت والزيتون، وليس المال. يُقلّ حسن معه، أربعة عمّال سوريين. ويأسف في حديثه لـ"المدن" لعدم تمكّنه من إيجاد عمّال لبنانيين "يريدون العمل بجدّية. فالشبّان اللبنانيون يتعبون بسرعة، ولا يريدون الكدّ والاجتهاد خلال العمل، ويعتبرون أنّ البدل اليومي قليل، علماً أنّه يتراوح بين 25 إلى 35 دولاراً. في حين أنّ العمّال السوريون، يعملون بجهد". يبدأ العمل عند الساعة السابعة، ببسط قطع كبيرة من "النيلون" تحت الأشجار منعاً لتساقط حبّات الزيتون على الأرض. فحينها، يصبح التقاطها من بين التراب، عملية صعبة وتستهلك وقتاً أطول. يصعد عاملان على زيتونة كبيرة، يقطفان ثمارها ويفرّغان جوفها، لينتقل أحدهم إلى الـ "سيبة" ليقطف الزيتون من على أطراف الشجرة، حيث لا يمكن التقاطها من الداخل. والـ "سيبة" عبارة عن سلّم طويل يُفتَح على شكل رقم ثمانية باللغة العربية، ويمكن الصعود عليه من الجانبين. إنتاج الحقول "كان أكبر في السنوات السابقة"، يقول حسّان. ويعيد السبب بشكل رئيسي إلى "عدم تقديم الخدمة الكافية للزيتون والأرض، بسبب الحرب التي تكرّرت في فترات من السنة، كان يفترض خلالها تقديم الرعاية للتربة وللأشجار، لضمان إنتاج أفضل في السنة المقبلة". وما يزيد من قساوة الموسم هذا العام، هو الغلاء المعيشي الذي "يفرض علينا أكلافاً أعلى، لجهة أسعار البنزين وكلفة اليد العاملة وأجرة المعاصر واحتياجات الحقل. وبالتالي، يذهب معظم ما ننتجه أكلافاً. علماً أنّنا كأي شخص آخر، علينا التزامات معيشية تجاه عائلاتنا، والغلاء يلاحقنا كما الجميع". وما يزيد قساوة الواقع بالنسبة إلى حسّان، هو "الخوف من الحرب المفاجئة، كما حصل في العام 2024، حين كنّا قد بدأنا القطاف، واندلعت الحرب في أواخر أيلول. ومع أننا تابعنا القطاف لعدّة أيام، إلاّ أنّ ذلك لم يكن كافياً لإنقاذ الموسم، فتركنا قرانا وحقولنا وزيتوننا وهربنا من شدّة القصف". ولتفادي المأساة، وفي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه "بدأنا الموسم الحالي باكراً، أي قبل نحو أسبوع من الفترة المعتادة، وهو وقت يؤثّر على الثمر، ليس بالنسبة إلى الزيت، وإنما بالنسبة إلى حجم الثمر وجودته. وهو أمر يدرك معناه من يهتمّون بتحضير مونة الزيتون". قُبيل الانتهاء من قطف إحدى الشجرات، تجلس عاملتان سوريّتان، سيّدة خمسينية وبجوارها شابة عشرينية. تُشعِل إحداهنّ الغاز تحت الإبريق لتسخين مياهه، فيما تجهّز الأخرى أكواباً لتحضير الكابوتشينو. ويسارع حسّان لتحضير نرجيلة التنباك "العجمي" والمكان الذي سيجلس فيه لأخذ الاستراحة. ويعتبر أنّ "فنجان الكابوتشينو مع النرجيلة في حقل الزيتون، أفضل من الجلوس في فندق من 7 نجوم". وعند اكتمال تحضير لوازم الاستراحة، ينضمّ الشابّان إلى جلسة الكابوتشينو التي لا تمكن إتمامها إلاّ ببعض الأحاديث والتعليقات والمزاح المتبادل بين العمّال، عن تقصير أحدهم في عمله. ويجد حسّان الفرصة مفتوحة لامتداح مهارة عمّاله، والتأكيد على أنّه لا يتهاون في اختيار مَن يكدّ في العمل، وطرد مَن يتهاون به. بين الساعة الثانية والثانية والنصف ظهراً، يتوقّف العمل في الحقل، ويقلّ حسان العمّال إلى منازلهم ويتوجّه بحمولة الزيتون إلى المعصرة. وهناك يبدأ فصل جديد من الحكاية، يتعلّق بطريقة ترتيب أكياس