لدى بعض القادة في تركيا والدول العربية قناعة بضرورة الحفاظ على إيران متماسكة، لصيانة موازين القوى الإقليمية، في حين يؤكد الواقع أن استمرار النظام الإيراني الحالي يحشر المنطقة بين خطرين، الأول فارسي، والآخر إسرائيلي. لقرون خلت، اعتقد الفرس بحقهم في الولاية على الخليج العربي. ظلوا يمنّون أنفسهم بهذا الهدف حتى العصر الحديث، وخاضوا في سبيل تحقيقه منافسة لا هوادة فيها مع الدول العربية. وأتت الفرس فرصتهم مع إعلان بريطانيا العظمى، عام 1968، عزمها الانسحاب من شرق السويس. سعوا إلى انتزاع البحرين وضمها إلى إمبراطوريتهم المسماة إيران، لتكون المحافظة رقم (14)، إلا أن جهودهم مُنيت بفشل ذريع، لتنـال الدولة العربية الخليجية استقلالها عام 1971. بالرغم من فشلهم في البحرين، فإن النجاح صادفهم في مكان آخر. استغل الفرس الفراغ الأمني الذي تسبب به انسحاب الإنكليز، وفرصة الانشغال الأميركي بحرب فيتنام، ليحتلوا الجزر المفتاحية في الخليج العربي: (طنب الكبرى - طنب الصغرى - أبو موسى)، قبل أيام من ميلاد دولة الإمارات. مسرح خليجي آخر انسلّ إليه الفرس كان سلطنة عُمان. استجاب الشاه محمد رضا بهلوي لطلب السلطان قابوس بن سعيد، عام 1973، الحصول على دعم إيران في مواجهة متمردي ظفار. أسهمت قوات الشاه في هزيمة "الجبهة الشعبية" عام 1975. على الرغم من أن المسرح الثالث كان بعيداً عن الخليج العربي، فإن ارتباطه به لم يكن قليلاً على الإطلاق: شمال العراق. اعتباراً من عام 1969، قدّم الشاه دعماً فعالاً للحركة الكردية في العراق، وقطف ثمار دعمه عبر اتفاق شط العرب الشهير، الذي وقّعه مع نائب الرئيس العراقي صدام حسين في الجزائر. هكذا، وبعد عشرين سنة من إثارة عواصف الأزمات والصراعات في المنطقة، استحق الشاه عن جدارة لقب "شرطي الخليج". وليس الخليج فقط، فقد كانت للشاه اهتمامات قوية بلبنان تعود إلى أواسط العقد السادس من القرن العشرين. إلا أن حرب تشرين عام 1973 حملت نتائج كارثية على خطط الشاه. بعد الحرب، خططت الولايات المتحدة للسيطرة على الخليج العربي والتحكم بإمداداته من النفط، بعيداً عن أي قوة إقليمية أو دولية، نظراً لارتباط السيطرة عليه (أي النفط) بترسيخ الهيمنة الأميركية على النظام الدولي، من جهة، ولأن "البترو-دولار" كان حجر الزاوية في معمارية الاقتصاد العالمي الناشئ بعد فك ارتباط الدولار عن الذهب عام 1971. كانت لحرب تشرين نتائج أخرى أشد وطأة على إيران. لقد قلّصت الحرب أهمية الشاه بالنسبة لواشنطن، مع انتقال الرئيس المصري أنور السادات من المدار السوفيتي إلى الفلك الغربي، الأمر الذي وجّه ضربة لا طبّ لها إلى نفوذ موسكو الإقليمي في الشرق الأوسط وأفريقيا، وكفى الأميركيين شرور السوفييت في هذه الجبهة الاستراتيجية. أخيراً، سهّل تغيير السادات موقع بلاده الدولي على واشنطن نشر قواتها في المنطقة من دون أن تخشى رد فعل سوفيتياً عنيفاً. انهيار حكم الشاه.. واشنطن والرياض تملآن الفراغ مع انهيار حكم الشاه في شباط/فبراير 1979، أسرعت واشنطن والرياض إلى ملء الفراغ الذي نجم عن تراجع قوة إيران، بسبب الفوضى التي شهدتها البلاد عقب عودة الخميني. شكّلت واشنطن، أواخر عام 1979، "قوات الرد السريع" للتدخل في الخليج العربي، كما باركت جهود الرياض لتأسيس "مجلس التعاون الخليجي"، الذي ثبّت عروبة الخليج، وحصّن دوله العربية من تدخلات الإيرانيين الثوريين، الذين أعادوا تدوير خطط جهاز المخابرات الإيراني السابق (السافاك)، الرامية إلى قلب أنظمة الحكم في تلك الدول ونشر النفوذ الإيراني في العراق ولبنان، وأسبغوا عليها طابعهم الخاص، ومرّروها تحت عناوين جذابة، على شاكلة "تصدير الثورة" و"نصرة المحرومين". فتّت الحرب الإيرانية العراقية عضد الإيرانيين الثوريين، ودفعت قائدهم إلى تجرّع "كأس السم" في تموز/يوليو من عام 1988. وكان من نتائج تلك الحرب أنها حطّمت قدرة إيران على تهديد الخليج العربي، وسمحت لواشنطن بنشر أصولها البحرية في مياهه. وبانتصارها الحاسم على الرئيس العراقي صدام حسين سنة 1991، وسقوط الاتحاد السوفيتي في أواخر السنة ذاتها، تسيّدت الولايات المتحدة الخليج من دون منازع، وأسست قواعد عسكرية جديدة على أراضي دوله. خلال أقل من ربع قرن، خسرت إيران نفوذها في الخليج العربي، بل أصبحت على هامش الأحداث. كانت تلك انتكاسة خالفت شعارات الخمينية الظافرة على الشاه. خامنئي يحيي خطط الشاه: البداية من بوشهر لكن الرد الإيراني لم يتأخر. كأي تاجر مفلس، عاد المرشد الأعلى السابق للثورة علي خامنئي إلى دفاتر الشاه، وقلّب فيها النظر حتى اهتدى إلى الحل: إحياء مفاعل بوشهر على الخليج العربي. في الأساس، كان قرار تأسيس مفاعل نووي في عام 1975، على مياه الخليج، خطوة معادية للدول العربية. تم بناء المفاعل كقنبلة موقوتة في مياه يسكنها العرب على الض