في أمسية احتفت بالكلمة والإبداع، وبالمرأة وقدرتها على النهوض من رماد التجارب القاسية، وقّعت الكاتبة رنا ترّو درزي روايتها الجديدة «أنثى من ضوء الرماد»، الصادرة عن الدار النموذجية للطباعة والنشر، في حفل أُقيم في قاعة مسرح بلدية صيدا، برعاية المهندس محمد السعودي، وبحضور ثقافي واجتماعي عكس الاهتمام بالحركة الأدبية ودور الكتاب في التعبير عن قضايا الإنسان والمجتمع. وتقدّم الحضور ممثل نائب رئيس تيار المستقبل ورئيسة مؤسسة الحريري السيدة بهية الحريري، منسّق عام التيار في صيدا والجنوب مازن حشيشو، وأمين سر المنسقية محمد شريتح، إلى جانب عدد من مخاتير المدينة وشخصيات أكاديمية وثقافية واجتماعية، وأفراد من عائلة الكاتبة، والفنانة التشكيلية مريانا قوام التي أنجزت لوحتين خصيصًا للرواية، في مبادرة فنية تلتقي فيها الكلمة مع الصورة، ويتكامل فيها الأدب مع الفن التشكيلي. ولم يكن حفل التوقيع مجرّد مناسبة لإطلاق كتاب جديد، بل شكّل مساحة للاحتفاء بالرواية بوصفها فنًّا قادرًا على ملامسة التجارب الإنسانية، والغوص في أعماق النفس البشرية، وفتح نوافذ على حكايات قد تبقى حبيسة الذاكرة لولا الكتابة التي تمنحها صوتًا وحضورًا. فمن عنوان الرواية، «أنثى من ضوء الرماد»، تتبدّى مفارقة أدبية تثير التساؤل: كيف ينبثق الضوء من الرماد، وكيف تستطيع المرأة أن تستعيد وهجها بعد أن تثقلها التجارب والأحكام والظروف التي لم تخترها؟ استُهلّ الحفل بالنشيد الوطني اللبناني، ثم قدّم المربي الأستاذ محمد مراد الأمسية، معتبرًا أن رنا ترّو درزي تقدّم عملًا أدبيًّا يحمل عناصر التشويق والمفاجأة، ويقود القارئ إلى أحداث ونتائج لا تأتي دائمًا على النحو الذي يتوقّعه. وأشار إلى العناية التي حظي بها الكتاب من حيث الطباعة والورق والغلاف، وإلى ما يثيره العنوان من أسئلة حول العلاقة بين الرماد والضوء، وبين النهاية والبداية، والفناء وإمكان الولادة من جديد. ورأى أن الرواية تطرح قضايا اجتماعية وفكرية، وتناقش التمرّد على العادات والأحكام السائدة، من دون أن يكون ذلك تعبيرًا عن ابتعاد عن الدين أو عن التربية والرعاية السليمتين، بل في سياق البحث عن مساحة أوسع لفهم الإنسان وحقّه في الاختيار ومواجهة الظلم، أيًّا كان مصدره. من جهتها، استهلّت الكاتبة رنا ترّو درزي كلمتها بتحية خاصة إلى صيدا، المدينة التي تحبّها، وتجد في ذاكرتها الغنية بالحكايات مساحة جميلة للكتاب والثقافة واللقاء. وأعربت عن سعادتها بأن تكون المدينة إحدى المحطات الأولى لتوقيع روايتها، معتبرة أن أجمل ما في الكتاب ليس اللحظة التي ينتهي فيها الكاتب من كتابته، بل اللحظة التي يغادر فيها الكتاب يدي صاحبه ليصبح ملكًا للقارئ، ويفتح معه حياة جديدة من التأويل والتفاعل واكتشاف المعاني. وأوضحت ترّو درزي أن «أنثى من ضوء الرماد» رواية عن المرأة، لكنها تنطلق من الطفلة التي كانتها يومًا، لتتتبّع ما تتركه التجارب في داخلها، وكيف تتشكّل شخصيتها تحت وطأة الحياة وما تحمله من تحديات. وأشارت إلى أن رحلتها في كتابة الرواية لم تكن واضحة المسار منذ البداية، وأن بعض الشخصيات تركت في نفسها أثرًا عميقًا، بقدر ما تركت هي أثرها في تلك الشخصيات، في علاقة متبادلة بين الكاتب وعالمه الروائي. وأكدت أنها لم تكتب حكاية امرأة واحدة فحسب، بل أرادت فتح الباب أمام حكايات كثيرة قد تظل صامتة ومخبّأة في ذاكرة امرأة أو رجل، وتنتظر من يصغي إليها ويمنحها فرصة الظهور. وهنا تتجلّى إحدى أهم وظائف الرواية؛ فهي لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تقترب من المسكوت عنه، وتمنح التجارب الإنسانية مساحة للتعبير، وتتيح للقارئ أن يرى في الشخصيات وجوهًا من حياته أو من حيوات عرفها ولم يفهمها تمامًا. وشدّدت على أنها لا تريد لروايتها أن تكون حكاية ألم فحسب، بل مساحة للتأمل في قدرة الإنسان على إعادة كتابة حياته، واستعادة ذاته بعد التجارب القاسية. فالمرأة، مهما أثقلتها الحياة، ليست محكومة بالبقاء أسيرة انكساراتها؛ إذ يمكنها أن تخرج من التجربة أكثر وعيًا وقوة، وأكثر قدرة على معرفة نفسها واكتشاف ما تختزنه من طاقات. ومن هذا المعنى، جاء اختيار «الرماد» في عنوان الرواية؛ فالرماد، كما أوضحت، ليس بالضرورة نهاية النار، بل قد يكون المكان الذي يبدأ منه الضوء. وفي هذه الصورة تختصر الكاتبة رؤيتها للعمل، حيث لا يُختزل الألم في الخسارة، ولا يُقاس الانكسار بنهاية الطريق، بل بما يمكن أن يولد بعده من وعي وقوة وقدرة على النهوض. وختمت ترّو درزي كلمتها بالتعبير عن أملها في أن تجد كل امرأة شيئًا من ذاتها بين سطور الرواية، وأن يجد كل رجل فيها امرأة عرفها أو أحبّها، أو ربما لم يفهمها يومًا كما ينبغي. كما وجّهت الشكر إلى صيدا وإلى كل من شاركها هذه المناسبة، معتبرة أن القارئ يمنح الكتاب حياة أخرى، وأن اللقاء حول الأدب يفتح أمام الح