لعل أخطر ما يواجه لبنان اليوم هو الضبابية التي تكتنف مرحلة الانتظار الحالية، والتي عززها عدم تلقي لبنان، حتى اليوم، أي تأكيد لموعد جولة المفاوضات المعلن عنها في تامبا- فلوريدا، والمفترض بين 20 و22 من الجاري. وفيما إسرائيل مطلقة اليدين في عمليات القصف والتفجير والجرف والقضم جنوباً، تبذل الدولة اللبنانية كل جهد ممكن، عبر أجهزتها الدبلوماسية، لتأمين مظلة حماية دولية وعربية تحول دون سقوط الجنوب في الفراغ الأمني، عقب انتهاء ولاية قوات "اليونيفيل". وتؤكد المعطيات الرسمية أن حالة الشك لا تزال تحيط بجلسة تامبا، فيما تلوّح تل أبيب بتأجيلها لتمرير استحقاقاتها الانتخابية والتذرع باستكمال "تفكيك بنية حزب الله". ولكن. على رغم هذا الانسداد في الأفق، تُباشر القيادة المركزية الأميركية تحضيراتها للملفات الثلاثة الأساسية المنتظر نقاشها على طاولة جولة المفاوضات المقبلة، وهي: إيجاد آلية تحقق جديدة لحصر السلاح، من خلال جدول عملاني يُلزم الطرفين بتطبيق متزامن لاتفاق الإطار، إنجاز انسحابات من "مناطق تجريبية" جديدة، وتفكيك السلاح جنوب الليطاني وربط انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطته بالانسحاب الإسرائيلي الشامل، وهو ما تعتبره واشنطن، بحسب خارجيتها، "المسار الوحيد القابل للتطبيق" لإنجاز الأمن على جانبي الحدود. وفي مقابل ذلك، يُواصل الجيش الإسرائيلي عملياته جنوباً تحت عنوان "إزالة التهديدات القائمة"، معلناً صراحةً أن عمليات التمشيط "لم تكتمل بعد"، في مؤشر واضح إلى نية المماطلة ورفض أي انسحاب فعلي. في المواجهة، برز الحراك الأوروبي المكثف باتجاه بيروت كعامل توازن حيوي. وكشفت معلومات دبلوماسية عن وصول طلائع مهمة أمنية أوروبية تضم أكثر من 100 عسكري من فرنسا وإسبانيا وإيطاليا ستبدأ عملها بحلول نهاية العام، بناءً على طلب رسمي من الحكومة اللبنانية. وهذه المهمة لن تنتشر جنوباً ولن تكون بديلاً من اليونيفيل، لكنها ستتركز على دعم قدرات الجيش وقوى الأمن الداخلي وتأمين الحدود والمؤسسات. وشددت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي خلال اجتماعيها مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري على أن "الأمن يجب أن يكون حصراً بيد الحكومة اللبنانية"، مؤكدة أن حظر السلاح وتثبيت الوجود الدولي جنوباً هما ضمان الاستقرار ومنع الفراغ. وفي الموازاة، اكتسبت محادثات قائد الجيش العماد رودولف هيكل في نيقوسيا مع وزير الدفاع القبرصي فاسيليس بالماس بُعداً أمنياً وعسكرياً، يتصل بتأمين المنافذ البحرية والتنسيق اللوجستي في ظل التحولات الإقليمية المتسارعة. وفي إطار التحركات الدبلوماسية، بحث رئيس الجمهورية جوزاف عون مع القائم بأعمال السفارة السورية في لبنان إياد الهزاع العلاقات الثنائية وسبل تطويرها في مختلف المجالات، إضافة إلى الاتفاقات القائمة بين البلدين. وفي موقف إقليمي، دانت وزارة الخارجية والمغتربين الاعتداءات التي استهدفت مطاري الملك خالد الدولي في الرياض وأبها الدولي، معتبرة أنها تشكل انتهاكاً للقانون الدولي وتهديداً لأمن المنطقة، مؤكدة تضامن لبنان الكامل مع المملكة العربية السعودية ورفض استهداف المنشآت المدنية. سلام: لا استقرار من دون دولة تملك قرار الحرب والسلم من جهته، أكد رئيس الحكومة نواف سلام، خلال افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، أن الحكومة تعمل على استعادة قرار الدولة وبسط سلطتها على كامل الأراضي اللبنانية، بالتوازي مع إطلاق الإصلاحات الاقتصادية وإعادة الإعمار، مشدداً على ترابط هذه المسارات. واعتبر سلام أنه لا يمكن تحقيق نهوض اقتصادي من دون إصلاح وثقة ومساءلة، ولا إعادة إعمار مستدامة من دون أمن واستقرار، مؤكداً أن الاستقرار الثابت يتطلب دولة تملك وحدها قرار الحرب والسلم، بما يمنع بقاء مستقبل اللبنانيين رهينة حروب لا يختارونها. وشدد على ضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وضمان العودة الآمنة للنازحين وإعادة إعمار بلداتهم، داعياً إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة وسيادة القانون، وتجاوز منطق إدارة الأزمات نحو بناء الدولة. غارات وتفجيرات إسرائيلية في الجنوب ميدانياً، واصل الجيش الإسرائيلي غاراته على الجنوب، مستهدفاً منطقة العين في حداثا ووادي الحجير، حيث طالت إحدى الغارات مطحنة، إضافة إلى المنصوري وأطراف كفرتبنيت. وترافق ذلك مع قصف مدفعي طال مناطق متفرقة، وتفجير نفذته القوات الإسرائيلية في بلدة الطيري، فضلاً عن تحليق مكثف للطيران الحربي والمسيّر في أجواء الجنوب والبقاع وصيدا. وسُجل اقتراب قوة إسرائيلية تضم عناصر مشاة وجرافة عسكرية من نقطة للجيش اللبناني في زوطر الغربية، حيث باشرت الجرافة اقتلاع الأشجار، بالتزامن مع عمليات تمشيط بالأسلحة الرشاشة من جهة الخيام. وفي شمال شرق لبنان، استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة قرب الحدود السورية في منطقة حوش ا