رفضت المحكمة الجنائية الدولية، اليوم الجمعة، العقوبات الجديدة التي فرضتها الولايات المتحدة عليها، معتبرة أنها محاولة لتعطيل عملها وترهيب موظفيها والمتعاونين معها، ومؤكدة أنها لن تتراجع عن أداء مهامها القضائية. ودعت الدول الأطراف في نظام روما الأساسي إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لضمان استمرار أنشطتها، في مواجهة العقوبات الأميركية التي تستهدف المؤسسة القضائية نفسها، بعد سلسلة من الإجراءات السابقة التي طاولت قضاة ومسؤولين فيها. وجاء موقف المحكمة رداً على إعلان إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض عقوبات مالية شاملة عليها، تشمل تقييد التعاملات معها، في خطوة قد تؤثر في قدرتها على الاستفادة من الخدمات المصرفية والتأمينية والتقنية، وتعرّض الشركات والمؤسسات المتعاملة معها لتداعيات قانونية ومالية، بحسب وكالة "رويترز". المحكمة: التاريخ سيحكم على هذه اللحظة وقالت المحكمة، في بيان، إنه لا ينبغي معاقبة أي شخص بسبب خدمته قضية العدالة، مشددة على أن المسألة لا تتعلق بالدفاع عن مؤسسة قضائية واحدة فحسب، بل بحماية النظام الدولي القائم على سيادة القانون، وأن التاريخ سيحكم على كيفية تعامل المجتمع الدولي مع هذه المرحلة. وأكدت أن نظام روما الأساسي يجسد تعهداً جماعياً بألا تمر أخطر الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي من دون عقاب، مشيرة إلى أنها عملت مع الدول الأطراف على تعزيز قدرتها على الصمود وضمان استمرار أنشطتها رغم التحديات، وداعية هذه الدول إلى مواصلة اتخاذ إجراءات عملية لتوفير الموارد والوسائل اللازمة لأداء مهامها. وكان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد أعلن فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، مؤكداً أن إدارة ترامب لن تسمح بملاحقة المواطنين الأميركيين أمامها، ومتهماً المؤسسة القضائية بتجاوز صلاحياتها وتهديد السيادة الأميركية. وقال روبيو إن واشنطن ستمنع التعاملات المالية مع المحكمة بهدف قطع مواردها والحد من قدرتها على العمل، مشيراً إلى أن الولايات المتحدة منحت المحكمة والدول الأطراف في نظام روما الأساسي فرصة لمعالجة الاعتراضات الأميركية، لكنها لم تتلق استجابة كافية. ودعا روبيو الدول الحليفة للولايات المتحدة، بما فيها الدول التي تعتمد على القوات الأميركية في دفاعها، إلى التدخل لمعالجة ما وصفه بالتجاوزات التي ترتكبها المحكمة، محذراً من إمكان اتخاذ إجراءات إضافية إذا لم تسفر المفاوضات عن نتائج تلبي مطالب واشنطن. وبحسب "رويترز"، تختلف العقوبات الجديدة عن الإجراءات السابقة التي استهدفت أفراداً محددين داخل المحكمة، إذ تشمل هذه المرة المؤسسة نفسها، بما قد يؤثر في تعاملاتها مع المصارف وشركات التأمين ومزودي الخدمات التقنية. ونقلت الوكالة عن مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية أن وزارة الخزانة ستصدر تراخيص تتضمن استثناءات من بعض القيود، فيما أفادت وكالة "أسوشييتد برس" بأن الإجراءات تمنح الجهات الأميركية مهلة ستة أشهر لإنهاء تعاملاتها مع المحكمة. إجراءات لضمان استمرار التحقيقات من جهتها، اعتبرت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية نزهت شميم خان أن العقوبات الأميركية تستهدف استقلال القضاء الدولي وسيادة القانون، مؤكدة أن المحكمة ستواصل التحقيقات والملاحقات القضائية الجارية. وكان مسؤولو المحكمة قد بدأوا خلال الأشهر الماضية اتخاذ إجراءات احترازية استعداداً لاحتمال فرض عقوبات على المؤسسة بأكملها، شملت البحث عن بدائل للخدمات الأميركية التي تعتمد عليها في تسيير أعمالها. وذكرت "رويترز" أن هذه التحضيرات تضمنت الانتقال من بعض برامج شركة "مايكروسوفت" إلى برمجيات مفتوحة المصدر، إلى جانب وضع ترتيبات بديلة للخدمات المصرفية والتأمين الصحي، بهدف الحد من تأثير القيود الأميركية المحتملة. كما دعا مسجل المحكمة أوزفالدو زافالا غيلر الاتحاد الأوروبي إلى الاستعداد لاستخدام آليات قانونية تحمي المؤسسات والشركات الأوروبية من التداعيات العابرة للحدود للعقوبات الأميركية، بما يسمح باستمرار تعاملها مع المحكمة. وتستضيف هولندا مقر المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، فيما يضم نظام روما الأساسي 125 دولة طرفاً، بينها جميع دول الاتحاد الأوروبي، وغالبية الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي، باستثناء الولايات المتحدة وتركيا. خلاف متصاعد بشأن إسرائيل وأفغانستان وتأتي العقوبات الجديدة في سياق مواجهة ممتدة بين واشنطن والمحكمة الجنائية الدولية، تصاعدت على خلفية مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة في تشرين الثاني/نوفمبر 2024 بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في قطاع غزة. كما يرتبط الخلاف باعتراض واشنطن على تحقيقات سابقة تناولت تصرفات القوات الأميركية في أفغانستان،