كلمة رئيس مجلس الوزراء الدكتور نواف سلام في افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب: أصحاب الدولة والمعالي والسيادة،السيدات والسادة،أصدقائي، أصدقاء الكتاب والكلمة،يسعدني أن أكون معكم اليوم في افتتاح معرض بيروت العربي الدولي للكتاب، في مناسبة لا تحتفي بالكتاب وحده، بل بما يمثّله من معرفة وفكر وإبداع، وبالدور الذي أدّته بيروت، على امتداد عقود، في الحياة الثقافية اللبنانية والعربية. نلتقي في زمنٍ تتلاحق فيه الأخبار، وتتدفق الصور والمعلومات، وتتسارع التحولات التكنولوجية إلى حدّ بات معه الذكاء الاصطناعي قادراً على إنتاج نصوص في ثوانٍ، فيما نحن هنا، نحتفي بكتاب لا يزال يحتاج إلى وقت كي يُكتب ويُقرأ، وإلى تأمّل كي يُفهم. فهل نحن متمسكون بعادة من زمن مضى؟ أم أن في هذا الاحتفاء ما يتجاوز الحنين إلى الكتاب؟أعتقد أن الإجابة تبدأ من التوقف عند طريقة طرح الأسئلة وسرعة الوصول إلى الأجوبة، والتمييز بين وفرة المعلومات وعمق المعرفة.فالكتاب، أيها السيدات والسادة، لم يفقد مكانته في العالم ابداً، لكنه يتغيّر، وتتغيّر معه عادات القراءة ووسائل النشر وطرق وصول المؤلف إلى القارئ. وفي خضم هذه التحولات، تزداد حاجتنا إلى الفكر النقدي، وإلى القدرة على التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين الحقيقة والتضليل. فالتكنولوجيا تستطيع أن تضع بين أيدينا ملايين المعلومات، لكنها لا تعفينا من مسؤولية التفكير، ولا تستطيع أن تحل مكان الضمير الإنساني والخيال المبدع. أيها الأصدقاء،لقد كانت بيروت، لعقود طويلة، أكثر من مدينة تطبع الكتب. كانت مساحة تتلاقى فيها الأفكار، وتعبرها اللغات، ويجد فيها كتّاب ومفكرون عرب منابر لم تكن متاحة لهم في بلدانهم.لم تكن ريادتها في عدد المطابع ودور النشر وحده، بل في مناخ الحرية والانفتاح الذي أتاح للكلمة أن تصل، وللأفكار أن تتلاقح، وللاختلاف أن يجد مكاناً له.فلم تكن مصادفة أن تختار اليونسكو بيروت عاصمة عالمية للكتاب عام 2009، وأن تكرسها مدينة مبدعة للأدب عام 2019. إنه اعتراف بمكانة بيروت الثقافية، لكنه يحمّلنا أيضاً مسؤولية الحفاظ على هذا الدور وتطويره.فقد تغيّر العالم العربي، ونشأت مراكز جديدة للبحث والنشر، وتوسعت الاستثمارات في الصناعات الثقافية، فيما استنزفت لبنان أزمات متلاحقة، من الانهيار الاقتصادي إلى انفجار مرفأ بيروت فالحروب والنزوح وهجرة الطاقات.ومن حقنا أن نفتخر بما كانت عليه بيروت، لكن ليس من حقنا أن نكتفي بذلك.فالماضي مصدر قوة حين نستلهمه، لا حين نسكن فيه. وحين ننظر إلى حركة الكتاب في لبنان اليوم، نجد صورة تجمع بين الصعوبات ومظاهر الحيوية. هناك دور نشر تواجه أعباء كبيرة، ومكتبات تكافح للاستمرار. لكن هناك أيضاً إصدارات جديدة، ومبادرات ثقافية، وشباب يكتبون ويقرأون، ومعارض لا تزال تستقطب جمهوراً واسعاً.فهل نحن أمام نهضة جديدة، أم أمام محاولة للصمود؟ربما نحن في مرحلة تقع بين الاثنين. لكن المؤكد أن الصمود وحده لا يصنع نهضة. الصمود يحفظ ما تبقّى، أما النهضة فتخلق ما لم يكن موجوداً.والنهضة التي نطمح إليها تحتاج إلى أكثر من معارض ناجحة، على أهميتها. تحتاج إلى صناعة نشر قادرة على التطور، وإلى مكتبات متجددة، وحركة ترجمة فاعلة، وإلى استثمار جدي في التربية والثقافة.لكنها تحتاج، قبل ذلك كله، إلى مجتمع يؤمن بقيمة المعرفة، ويشجّع حرية التفكير، ولا يخشى النقد أو الاختلاف. السيدات والسادة،إن الحديث عن النهضة الثقافية يقودنا بالضرورة إلى الحديث عن النهضة الشاملة التي يحتاج إليها لبنان. فبلدنا لا يحتاج إلى إعادة إعمار ما تهدّم فحسب، بل إلى إعادة التفكير في الكثير مما أوصله إلى ما هو عليه.ولا يكفي أن نعيد بناء بعض مؤسسات الدولة، بل علينا أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم الدولة نفسه، وإلى مكانتها في وجدان اللبنانيين، وفي علاقتهم بعضهم ببعض، وفي نظرتهم إلى حقوقهم وواجباتهم. ولا يكفي أن نضع قوانين جديدة إذا استمررنا في التعامل مع القانون بوصفه قابلاً للاستثناء، أو مع المؤسسات بوصفها أدوات لخدمة المصالح الخاصة، أو مع المواطنة بوصفها انتماءً يأتي بعد الانتماءات الأخرى.إن النهضة التي يحتاج إليها لبنان ليست مجرد مشروع اقتصادي أو إداري أو عمراني. إنها أيضاً نهضة في الفكر السياسي، وفي الثقافة الوطنية، وفي مفهوم المسؤولية العامة. نهضة تعيد الاعتبار إلى العقل في مواجهة التعصّب، وإلى المعرفة في مواجهة التضليل، وإلى الحوار في مواجهة التخوين، وإلى المواطنة في مواجهة الانقسامات. نهضة تدفعنا إلى مراجعة المسلّمات التي قيّدت تفكيرنا، والممارسات التي أضعفت مؤسساتنا، والتسويات التي أجّلت المشكلات بدل أن تحلّها.فليس المطلوب أن نغيّر بعض الأشخاص فحسب، بل أن نغيّر أيضاً الكثير من القواعد والممارسات التي حكمت حياتنا العامة، وأن نتجاوز التسليم بمنطق إدارة الأزمات إلى فعل ب