على مدى يومين ناقش منتدى حوكمة الإنترنت 2026، المنعقد في بيروت، قضايا التكنولوجيا، وإنتشار الأخبار الكاذبة، ومشاركة قطاع المجتمع المدني بالسياسات التشريعية المتعلقة بقضايا الحقوق الرقمية، وكل ما ينُشر في الفضاء الرقمي. وتحت عنوان، "تنظيم فضاءات المعلومات عبر الإنترنت أثناء الأزمات: خطاب الكراهية، والمعلومات المضللة، والحقوق الرقمية"، بحثت الجلسة التي نظمتها مؤسسة مهارات، في الشق التشريعي عبر النائب جورج عقيص، والشق الأكاديمي عبر عميد قسم الإعلام سابقاً في الجامعة اللبنانية العميد جورج صدقة، إضافة إلى الشق المهني، الذي تحدث عنه الصحافي نذير رضا، لا سيما سياق تطور المعلومات المضللة التي تواجههم في غرف الأخبار. وتطرق النائب جورج عقيص، إلى المادة 104 في قانون الإعلام، التي تهدف إلى إلغاء النصوص التي تعاقب الأفراد على أقوالهم ونواياهم، مع الإبقاء على تجريم التحريض على الكراهية وفق ضوابط واضحة، تستند إلى المعايير الستة لخطة عمل الرباط، ومنها سياق الخطاب ومضمونه واحتمال تسبّبه بضرر، على أن تتوافر جميع العناصر لقيام المسؤولية الجزائية، منعاً للاستنسابية وتقييد الحريات. ورأى عقيص أنّ إتاحة المعلومات من المؤسسات الرسمية تشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل والأخبار الكاذبة، إذ إنّ صمت الدولة يفتح المجال أمام انتشار الشائعات. ولفت إلى أنّ اقتراح القانون يتضمّن إنشاء هيئة وطنية مستقلة، وإلغاء التوقيف الاحتياطي والنصوص العقابية المرتبطة بحرية التعبير، وتحويل العديد من الأفعال من جرائم إلى مخالفات، بما يعزّز حماية الحريات، مقابل مسؤولية أكبر في ممارستها. وشدّد على ضرورة الانتقال من إقرار القانون إلى تطبيقه، عبر تشكيل الهيئة الوطنية وتدريب القضاة والضابطة العدلية على التعامل مع هذه الجرائم، داعياً إلى وقف الكيد السياسي ومواجهة خطاب الكراهية والتحريض بين فئات المجتمع. من جهته، قال صدقة أنّ وسائل الإعلام استُخدمت منذ نشأتها أداةً في الحروب والصراعات، رغم الجهود التي بذلتها منظمة اليونيسكو لتحويلها أداة لتعزيز السلام. وأشار إلى أنّ الأزمات والحروب تعيد إبراز دور الإعلام بوصفه أداةً للصراع والتحريض. وفي هذا السياق، استعرض صدقة نتائج دراسات أُجريت بالتعاون مع مؤسسة "مهارات"، تناولت رصد الاتجاهات الرائجة اي الترند، والأخبار المحلية والقضايا التي ركّزت عليها وسائل الإعلام خلال الحرب، ويشير إلى أنّ نتائج الرصد كشفت عن انتشار الأخبار المضلِّلة والكاذبة والخطاب التحريضي في التغطيات الإعلامية. ولفت صدقة إلى أنّ الانقسام العمودي داخل وسائل الإعلام اللبنانية كان أشدّ حدّة من الانقسام السياسي نفسه، بل تجاوز في بعض الأحيان مستوى التوتر القائم على الأرض. وقد تجلّى ذلك، بحسب صدقة، في الخطاب الإعلامي الذي وصل إلى حدّ التشكيك في الانتماء الوطني للأفراد، وإطلاق الاتهامات بالعمالة للعدو، وصولاً إلى التهديد بالتصفية، ما يعكس خطورة تحوّل وسائل الإعلام من منصّات لنقل المعلومات إلى أدوات لتأجيج الانقسامات والتحريض خلال الحروب. بدوره أشار نذير رضا إلى أنّ الحرب وضعت المؤسسات الإعلامية أمام مروحة واسعة من الأخبار التي تتطلّب التدقيق والتحقّق على مختلف المستويات، في ظلّ انقسام عمودي وطائفي لم يشهده لبنان منذ اتفاق الطائف، بحسب تعبيره. وأوضح أنّ الانقسامات كانت في السابق محصورة إلى حدّ كبير في الإطار السياسي، إلّا أنّها اتّخذت خلال الحرب أبعاداً شعبية وطائفية أوسع. واعتبر رضا أنّ هذه المرحلة كشفت أنّ التضليل الإعلامي لم يكن عشوائياً، بل اتّخذ طابعاً ممنهجاً، مشيراً إلى وجود آلاف الحسابات في منصّة إكس، أُنشئت من خارج لبنان بهدف نشر الأخبار الكاذبة وتغذية الخطاب التحريضي. واستشهد بحادثة عين سعادة بوصفها أحد أبرز الأمثلة على خطورة الخطاب المضلِّل، الذي دفع النقاش العام نحو مستويات مقلقة من التحريض والانقسام. كما لفت إلى تحوّل في العلاقة بين الجمهور ووسائل الإعلام، إذ لم يعد الجمهور يكتفي بتلقّي المادة الإعلامية، بل بات يساهم في صناعتها وتوجيهها وترويجها وفقاً لما يريد سماعه أو تصديقه. وتقاطع نذير رضا والدكتور جورج صدقة عند اعتبار غياب الرواية الرسمية أحد أبرز أسباب انتشار التضليل الإعلامي خلال الحرب. إذ قال رضا إلى أنّ إدارة الأزمات تتطلّب توفير معلومات موثوقة من مصادر رسمية تحسم الجدل، فيما يدفع غيابها الصحافيين إلى الاعتماد على روايات متعدّدة. من جهته، قال صدقة أنّ الغياب شبه الكامل للإعلام الرسمي أو العام، أفسح المجال أمام الإعلام المؤدلج والإعلام الإسرائيلي، ومنه تصريحات أفيخاي أدرعي، ليصبحا مصدرين للمعلومات لدى اللبنانيين. ويشير إلى أنّ تراجع الصحافة المكتوبة والمحطات التلفزيونية، عزّز الاعتماد على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يستدعي وضع خطة لدعم الإعلام