في إطار زيارته إلى لبنان، بالتزامن مع افتتاح معرض بيروت الدولي للكتاب، زار وزير الثقافة السوري محمد ياسين صالح مقرّ صحيفة "المدن" في بيروت، حيث جال على أقسام الصحيفة والتقى رئيس تحريرها منير الربيع. وشكّلت الزيارة مناسبة للحديث عن مستقبل العلاقات اللبنانية السورية، ودور الثقافة والإعلام في إعادة بناء الثقة بين البلدين، في مرحلة تبرز فيها الحاجة إلى تجاوز إرث الوصاية والصور النمطية التي خلّفتها العقود الماضية، وإرساء علاقة تقوم على احترام سيادة كل بلد وخصوصيته. في لحظة تسعى فيها العلاقات اللبنانية السورية إلى تجاوز إرث طويل من الوصاية والتوتر والشكوك المتبادلة، تكتسب الثقافة أهمية تتجاوز كونها مساحة للتبادل الأدبي والفني، لتصبح أحد المداخل الممكنة لإعادة بناء الثقة بين البلدين. من هذا المنطلق، استضافت صحيفة "المدن" في مقرّها ببيروت وزير الثقافة السوري محمد ياسين الصالح، بالتزامن مع افتتاح معرض بيروت الدولي للكتاب، في مناسبة جمعت بين الحوار المفتوح مع المثقفين اللبنانيين وأسئلةٍ عن العلاقة ببن مجتمعين تتداخل بينهما الذاكرة والتاريخ والمصالح والمصائر. جال الصالح على أقسام الصحيفة، والتقى رئيس تحريرها الزميل منير الربيع وفريق التحرير، متحدثاً عن مستقبل العلاقات اللبنانية السورية، ودور الثقافة في تقريب المسافات بين المجتمعات، وعن مسؤولية المؤسسات الثقافية السورية في التعريف بتنوّع المجتمع السوري وفتح المجال أمام مختلف التيارات الفكرية. من إرث الوصاية إلى الثقةفي حديثه لـ"المدن" قدَّم الصالح العلاقة بين البلدين بوصفها ملفاً سياسياً قائماً على التاريخ الاجتماعي والثقافي المشترك، وربط إمكاناتها الراهنة بضرورة تجاوز الصور النمطية التي خلّفها النظام السوري السابق. وقال إنّ من المهم الخروج من "الصور النمطية المشوّهة التي ورثناها عن نظام الوصاية"، معتبراً أن المرحلة الجديدة تتيح إعادة النظر في طبيعة العلاقة بين الشعبين، بعيداً من التجارب التي أثقلت هذه العلاقة خلال العقود الماضية. وتكتسب هذه الإشارة أهميتها من أن العلاقة اللبنانية السورية لا تبدأ من فراغ، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد تفاهمات بين حكومتين. فقد تركت مرحلة الوصاية السورية على لبنان آثاراً سياسية واجتماعية عميقة، وأنتجت مواقف متباينة من سوريا ومن حضورها في الحياة اللبنانية. وفي المقابل، لا يمكن اختزال العلاقات بين المجتمعين في تلك المرحلة، بالنظر إلى ما يجمعهما من روابط اجتماعية وثقافية واقتصادية وتاريخية. من هنا، تبرز مسألة الثقة باعتبارها أحد التحديات الأساسية أمام بناء علاقة جديدة. فالتقارب يتحقق باستعادة مفردات الأخوّة والتاريخ المشترك، كما يحتاج إلى ترجمة عملية تحترم استقلال البلدين، وتتيح لكل منهما التعبير عن مصالحه وهواجسه، وتؤسس لتعاون لا يعيد إنتاج تجارب الهيمنة السابقة. وفي هذا السياق، شدّد الصالح على أهمية احترام خصوصية الآخر وسيادته، مستعيداً ما قال إنه توجّه تكرّر في الإشارات السياسية إلى العلاقات بين البلدين. ورأى أنَّ المشتركات بين الشعبين كثيرة، وأن مسؤولية المرحلة الراهنة تتمثّل في تحويل هذا الإرث إلى مساحة للتعاون والتفاهم، كما إلى ذريعة لتجاوز خصوصية أي من البلدين. لبنان الذي احتضن السوريينفي مداخلته في "المدن" خصّ الوزير الصالح لبنان بتحية واضحة، مستعيداً محطات من العلاقة بين الشعبين، ولا سيما ما قدّمه لبنانيون للسوريين خلال سنوات الثورة، وما وفّرته بيروت من مساحة للكتّاب والمبدعين السوريين حين ضاقت بهم بلادهم في عهد النظام السابق. وقال الصالح إن من الضروري تذكّر "موقف رجال وكتّاب لبنان الشجعان الذين وقفوا موقفاً مشرّفاً من الثورة السورية"، مشيراً إلى أن لبنان فتح فضاء الحرية أمام كثير من الكتّاب والمبدعين السوريين حين ضاقت عليهم سوريا في زمن "الاحتلال الأسدي"، كما استقبل سوريين خلال سنوات الثورة. ووجّه الوزير الشكر إلى لبنان، حكومةً وشعباً، مستعيداً صورته بوصفه بلداً شقيقاً، ومؤكداً أن الشراكة بين البلدين تمتد، وفق تعبيره، إلى جذور تاريخية وحضارية بعيدة. وتحمل هذه استعادة لدور بيروت بوصفها إحدى المساحات التي احتضنت الإنتاج الثقافي السوري، ووفّرت لبعض أصحابه إمكانات النشر والتعبير والتواصل مع الجمهور العربي، في ظروف لم تكن تسمح لهم بذلك داخل سوريا. لكن استعادة هذه الذاكرة تطرح، في الوقت نفسه، سؤالاً عن مستقبل العلاقة الثقافية بين البلدين: كيف يمكن الانتقال من تجربة احتضان المثقفين السوريين في المنفى إلى شراكة مؤسساتية تتيح للكتّاب والفنانين والباحثين في البلدين العمل والتبادل بحرية؟ وكيف يمكن أن تصبح العلاقة الثقافية جسراً للتعارف المتبادل، بعيداً من التوظيف السياسي أو الصور الجاهزة التي تراكمت عبر سنوات طويلة؟ الثقافة مساحة للتعدديةلم