كثيرة هي المرّات التي يتكرّر فيها العنوان كلازمة في متن رواية "ورق الكافور" (دار نوفل/هاشيت أنطوان) للروائي السعودي عبدالله العرفج. وإذا ما علمنا أنّ ورق الكافور يُقطف من شجرة الكينا، ويُنشر في الشمس حتى ييبس، ثم يُطحن ويُستخدم بمقدار معيّن ويُشرب مع الماء، بهدف إخماد الطاقة الجنسية، على ذمّة الثقافة الشعبية، فإنّ تكرار العنوان في المتن الروائي، في سياقات محتلفة، يشي بأنّ العالم المرجعي الذي يُحيل إليه مسكون بهاجس العفّة وعدم الوقوع في فتنة النساء. وبكلمة أخرى، هو عالم محافظ، ومحكوم بمنظومة قيم أخلاقية، تتحكّم بسلوك أفراده وخياراتهم. ومع ذلك، ثمّة من يخرج على هذه المنظومة، ويتمرّد على أحكامها، ليحتكم إلى منظومة قيم مضادّة. وهو ما تتمخّض عنه الأحداث. تحصل أحداث الرواية بين عقدي الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، وتجري بين بريدة السعودية، والكويت الكويتية، وممباي الهندية، وتنخرط فيها مجموعة شخوص، تتوزّع على السلكين السرديين اللذين ينتظمان الأحداث، ويمثّل كلٌّ منهما منظومة قيم مختلفة عن منظومة الآخر، وتقوم الحبكة الروائية على صراع بين المنظومتين، يستمرّ سنوات، وينجلي عن نتائج معيّنة في نهاية الرواية. تتمحور الأحداث في السلك الأوّل حول شخصية سيل بن زيد الوسمي المقيم في بلدة بريدة النجدية، والشخصيات المنخرطة معها، في علاقة حب أو صداقة أو عمل أو خصومة، ما يترتّب عليه مجموعة من الوقائع الروائية الدالّة، تعكس كلٌّ منها قيمة أو أكثر في منظومة القيم التي تلتزمها الشخصية المحورية والشخصيات المتمحورة حولها؛ فزواج سيل من العنود بنت هلال السلوي، وإنجابهما طفلين اثنين، وعيشهما حياة مستقرة تعكس أهمّية الحب والاستقرار الأسري. وسفره إلى الكويت في محاولة منه لتحسيين المستوى المعيشي للأسرة يبرز الشعور بالمسؤولية. غلاف رواية “ورق الكافور“. (نوفل - هاشيت أنطوان) وإقامته مع صديقه صالح الطريفي في بيت واحد، واختلافهما إلى البحر معًا، وتبادلهما الشؤون والشجون، تعلي قيمة الصداقة في حياة الإنسان. وامتناعه عن تناول مسحوق الكافور كي لا يقع في الفتنة يعكس قوة إرادته في مواجهة المغريات. واتخاذه قرار ترك العمل لدى التاجر الكويتي الغني الذي أحسن معاملته كي لا يسقط في براثن زوجته الشابّة التي أخذت تتقرّب منه يعكس أهمية العفّة في سلّم القيم الريفي. وسعيه إلى معرفة أسرار الغوص من الغوّاص الأفريقي ماجد الذي شمله برعايته يظهر حرصه على إتقان عمله وكسب رضا رب العمل. وإنقاذه الصبي جاسم من الموت بعد غرق السفينة التي كان على متنها يشي بمروؤة عالية. وقراره السفر إلى الهند، وخوض تجربة أخرى في الطرف الآخر من الماء بعد إعفائه من الغوص جرّاء خطأ ارتكبه، يعلي قيمة الطموح والمغامرة بحثًا عن الأفضل. وقيامه بتعليم ولدي المسلم الهندي الحاج نظام الدين في ممباي القرآن واللغة العربية مقابل فرصتي العمل والإقامة اللتين وفّرهما له ينطوي على كثير من الوفاء. ومبادرة التاجر النجدي السبعيني المقيم في ممباي إلى احتضانه وفتح قصره له ودعوته إلى لقاءات دورية يعقدها النجديون المقيمون في تلك المدينة يتمخّض عن تضامن النجديين في مهاجرهم. وإنقاذه فتاة هندية جميلة من الاغتصاب يجعله موضع تقدير من أبيها والحاج نظام الدين والتاجر النجدي، ويعكس التزامه إغاثة الملهوف. وهكذا، تنجلي هذه الوقائع عن قيم الحب والصداقة والاستقرار والطموح والعفة والوفاء وإتقان العمل ونجدة الآخرين وغيرها، ممّا يشكّل منظومة قيم إيجابية تؤمن بها الشخصية المحورية في السلك السردي الأول والشخصيات المتمحورة حولها. وعلى مثالية هذه الشخصية، فإنّ ظروفًا معيّنة تحدث في غفلة منها، وتقلب حياتها رأسًا على عقب؛ ذلك أنّ سيل الوسمي حين يستبدّ به الحنين إلى الوطن، ويعود إلى بلدته، وقد جمع ثروة طائلة، يتزامن وصوله إليها مع عرس يُقام فيها، وتكون صدمته الكبرى حين يعلم من صديقه القديم عليان الذي يصطنع الهبل لغرضٍ في نفسه، أنّ العروس هي زوجته العنود والعريس هو أبو بشيت، وأنّ بعض ألسنة السوء كانت قد أطلقت إشاعة موته بعد غرق السفينة في الكويت، وأنّ العنود أُكرهت على الزواج كي تنقذ أباها من السجن الذي هدّده به الزوج المزعوم لعجزه عن تسديد دين له، فيشعر بالخيانة، وتسوَدّ الدنيا في عينيه، ويقرّر العودة من حيث أتى. وهذا الموقف المفاجئ ينتقص من مثالية الشخصية، ويعكس تهرّبها من مواجهة الواقع وتردّدها في اتخاذ القرار المناسب. فهل يُعقَل أن لا يقتحم سيل العرس ويضع حدًّا لسلب زوجته منه وهي لا تزال على اسمه؟ وهل يصح أن يغادر البلدة قبل أن يرى ولديه، على الأقل، ويزور أهله الذين لم يرهم منذ سنين طويلة؟ لعمري، هذه الوقائع تطرح سؤال بناء الشخصية، ولا تتناسب مع الصفات التي تشي بها الوقائع المذكورة أعلاه. غير أنّ الأمور ما تلبث أن تعود إلى مجراها في نهاية