تهزّ ألمانيا قضية أمنية شديدة الحساسية بعد الاشتباه بأن أوغست هانينغ، الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الخارجية الألماني "BND"، تورط في التجسس والخيانة، في ملف يعيد إلى الواجهة تاريخًا طويلًا من الفضائح التي لاحقت الجهاز، ويكشف صلات تمتد من برنامج إيران العسكري إلى حرب العراق وحتى قصص تجسس تعود إلى ستينيات القرن الماضي. وبحسب مقابلة أجراها راديو "103FM" مع الكاتب والعضو السابق في جهاز "الموساد" غاد شمرون، فإن قضية هانينغ أثارت صدمة واسعة في ألمانيا، خصوصًا بالنظر إلى الموقع الذي شغله طوال 8 سنوات على رأس جهاز الاستخبارات. وقال شمرون: "من الواضح جدًا أن قصة هانينغ تتعلق أكثر بالجوانب النفسية. الرجل كان رئيس الاستخبارات الألمانية لمدة 8 سنوات وقام بأمور مذهلة. كان بإمكانه أن يرتاح على أمجاده ويتمتع بالتقاعد الجيد الذي حصل عليه، لكنه لسبب ما أراد المزيد، فتورط وأدار جهاز استخبارات خاصًا كان يحصل من خلاله على وثائق من الجهاز الألماني، ثم يبيعها لكل من يريد. حتى جون لو كاريه لم يكن يستطيع التفكير في شيء كهذا". وتوقف شمرون عند التقارير التي تحدثت عن بيع هانينغ وثائق إلى أذربيجان، مشيرًا إلى أن "للأذريين حدودًا مع إيران"، مضيفًا: "يقال إنه اختار وثائق تتعلق ببرنامج الأسلحة الإيراني". وأوضح أن جهاز "BND"، الذي يُعد النظير الألماني للموساد، يتعامل بكثافة مع الملف الإيراني، كما يتعاون مع إسرائيل في هذا المجال منذ سنوات. واستعاد شمرون في المقابلة حادثة تعود إلى ستينيات القرن الماضي، معتبرًا أن التعاون بين أجهزة الاستخبارات الألمانية والإسرائيلية ساهم آنذاك في إنقاذ حياة جاسوس إسرائيلي. وقال إنه في تلك الفترة اعتُقل جاسوسان إسرائيليان في دول عربية هما إيلي كوهين وولفغانغ لوتز، الذي عُرف بلقب "الجاسوس على الحصان". وأضاف: "إيلي كوهين أُعدم شنقًا في الساحة الرئيسية في دمشق، فيما أُفرج عن لوتز من السجن بعد 3 سنوات". وأوضح أن تدخل الاستخبارات الألمانية جاء بسبب حمل لوتز الجنسية الألمانية، مضيفًا: "هكذا أُنقذت حياته". وانتقل شمرون بعد ذلك إلى قصة أخرى معروفة مرتبطة بهانينغ، تعود إلى مطلع عام 2003، خلال الغزو الأميركي للعراق. وقال إن وزير الخارجية الأميركي آنذاك كولن باول ألقى خطابه أمام الأمم المتحدة مستخدمًا عروضًا ومواد تتعلق بأسلحة الدمار الشامل العراقية. وأضاف شمرون أن مصدر هذه المعلومات كان عالم كيمياء عراقيًا جرى تجنيده وتشغيله من قبل هانينغ. وأوضح أن جهاز الاستخبارات الألماني نقل المصدر العراقي إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية "CIA"، وأن باول استخدم لاحقًا المعلومات الواردة منه. لكن شمرون أشار إلى مفارقة اعتبرها لافتة، وقال: "المذهل هو أن هانينغ كتب في الصفحة الأخيرة من العرض: برأيي المصدر كاذب مرضي، ونحن لم نكن لنعتمد على مادته". وأضاف أن المسؤولين "أُصيبوا بالذهول عندما رأوا هذه المواد تُعرض على منصة الأمم المتحدة بوصفها دليلًا". وفي سياق آخر، تطرق شمرون إلى شائعات قديمة تحدثت عن معرفة هانينغ بضابط شاب في جهاز "KGB" السوفياتي يدعى فلاديمير بوتين خلال خدمته في برلين الشرقية. وقال شمرون عن هذه الرواية: "هذه هراء". وأضاف أنه يتوقع أن يحصل هانينغ على عقوبة غير شديدة، بالنظر إلى عمره. وفي ختام المقابلة، عاد شمرون إلى سجل جهاز الاستخبارات الألماني والفضائح التي لاحقته على مدى عقود. وقال إنه قبل نحو 70 عامًا، عبر رئيس جهاز الأمن الداخلي في ألمانيا الغربية الحدود وعقد مؤتمرًا صحافيًا في برلين الشرقية. ووصف شمرون جهاز الاستخبارات الألماني بأنه "مهني جدًا"، لكنه أضاف أنه "ملاحق بالفضائح من كل الجهات، وهذه القضية ليست سوى واحدة من قضايا كثيرة". وبذلك، لا تبدو قضية هانينغ مجرد ملف شخصي لرئيس استخبارات سابق، بل حلقة جديدة في تاريخ جهاز يتمتع بقدرات مهنية واسعة، لكنه يجد نفسه مرة بعد أخرى في قلب قضايا تهز صورته داخل ألمانيا وخارجها.