تعود السعودية إلى الانخراط في الحرب اليمنية، لا بحثًا بالضرورة عن حسم شامل، بل لأن كلفة الابتعاد عن المواجهة باتت، وفق قراءة إسرائيلية، أعلى من كلفة التدخل نفسه. وفي قلب الحسابات السعودية يقف باب المندب ومسارات تصدير النفط، فيما ترفع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا سقف أهدافها إلى استعادة صنعاء، ما يفتح الباب أمام احتمال التقاء الطرفين في الساحل ثم افتراقهما كلما اقتربت المعركة من العاصمة. وبحسب تحليل للبروفيسور عوزي رابي في موقع "واللا" الإسرائيلي، فإن الرياض التي حاولت خلال السنوات الماضية الخروج من "المستنقع اليمني" وتحويل مواردها إلى مشاريع التنمية وإبعاد الحرب عن مدنها، تكتشف اليوم أن الهدوء الذي اشترته كان مشروطًا. فالحوثيون، وفق التحليل، لم يعودوا مجرد تهديد عابر للحدود، بل باتت سيطرتهم على المداخل المؤدية إلى باب المندب وهجماتهم على البنى التحتية تهدد طرق التصدير وقدرة السعودية على التحكم بأجندتها الاستراتيجية. ومن هنا، تأتي عملية "فجر اليمن" كمحاولة سعودية لاستعادة هامش حركة تآكل خلال الفترة الماضية. ويشير رابي إلى أن خلف القرار السعودي أيضًا مراجعة للرهان على الولايات المتحدة. فولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب المساعدة ضد الحوثيين، لكن واشنطن امتنعت عن القيام بعمل عسكري مباشر، واكتفت بعرض دعم استخباراتي ومساعدة في تحديد الأهداف. ويرى التحليل أن الدعم الأميركي المعلن حاليًا مهم، لكنه لا يرقى إلى مستوى تحمل واشنطن مسؤولية المعركة. وبالنسبة إلى الرياض، بات الفارق بين وجود شراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة وبين استعداد الأخيرة للقتال نيابة عنها أكثر وضوحًا، فيما تبقى المخاطرة وكلفتها في نهاية المطاف سعودية بالدرجة الأولى. وفي المقابل، لدى واشنطن حساباتها الخاصة، إذ إن المواجهة مع إيران تستهلك قدرًا كبيرًا من الاهتمام والموارد، فيما قد يؤدي فتح جبهة إضافية إلى توسيع حرب تجاوزت أصلًا الوعود التي رافقت بدايتها. أما في الرياض، فالحساب مختلف، إذ إن تهديد منشآت النفط والمطارات ومسارات الملاحة البحرية يجعل حدود الانخراط الأميركي دافعًا للبحث عن مصادر دعم إضافية. وفي هذا الإطار، يعكس تفعيل ترتيبات الدفاع مع باكستان وتركيا محاولة سعودية لتوسيع قاعدة المساندة. لكن، وفق رابي، أظهرت التجربة حتى الآن أن الفارق بين الالتزامات السياسية وبين القدرة العسكرية الجاهزة والمنسقة لا يزال قائمًا. وفي موازاة ذلك، يشهد مضيق هرمز تطورًا آخر، إذ إن تعافي صادرات النفط من دول الخليج يشير إلى أن قدرة إيران على تحويل الاضطراب البحري إلى خنق اقتصادي طويل الأمد بدأت تتراجع. فكميات كبيرة من النفط لا تزال تعبر رغم التهديدات، فيما تتسع الفجوة بين إعلان الحصار ونتائجه الفعلية. ولا يعني ذلك عودة كاملة إلى الوضع الطبيعي، إذ ما تزال تكاليف التأمين والنقل والمخاطر تضغط على حركة التجارة، لكن أداة الضغط الإيرانية تضعف كلما تمكنت دول المنطقة من مواصلة التصدير. ومن هنا تزداد أهمية باب المندب. فكلما خف الضغط في هرمز، تصبح قدرة الحوثيين على تهديد مخرج البحر الأحمر أداة يمكن أن تبقي جزءًا من النفوذ في يد المحور الإيراني. وتنقل السعودية النفط غربًا عبر خط الأنابيب شرق-غرب إلى ينبع، لكن هذا البديل البري يحتاج بدوره إلى منفذ بحري آمن. وكان وزير الطاقة السعودي قد أعلن أن القدرة التشغيلية للخط أُعيدت إلى 5.8 ملايين برميل يوميًا، فيما يجري حاليًا توجيه نحو 4 ملايين برميل يوميًا عبره نحو الغرب. وبذلك، تجد المملكة نفسها بين عنقَي زجاجة: تهديد في الشرق يدفعها إلى الغرب، وتهديد في الغرب يضيق بدوره هامش المناورة الذي حاولت بناءه. أما ميدانيًا، فيرى التحليل أن التقدم المعلن على الساحل مهم، لكن صورة السيطرة لا تزال موضع خلاف. كما أن استعادة مواقع على الأرض لا تلغي تلقائيًا خطر الصواريخ والطائرات المسيّرة. وفي تحليل نشر في "المهرية"، أرجع الخبير محمد المقابلة سرعة التقدم إلى عملية تضليل، معتبرًا أن الحوثيين ركزوا على تعز، فيما تقدمت قوات الحكومة من محور كهبوب باتجاه المضيق. إلا أن هذه القراءة لم تُثبت بعد، بحسب رابي، لكنها تبرز نقطة أساسية: نجاح عنصر المفاجأة لا يعني بالضرورة انهيار الخصم. كما يحذر التحليل من اعتبار حجم القوات وحده ضمانة للنصر. فحتى وجود 100 ألف مقاتل، وهو رقم تضعه تقارير مختلفة ضمن نطاق التعبئة المحتملة وفق حجم الهجوم، لا يعني أن هذه القوات تعمل ضمن جبهة واحدة أو أنها قادرة على تجاوز الانقسامات الداخلية. وتضم الجبهة المناهضة للحوثيين ألوية العمالقة و"درع الوطن" وقوات طارق صالح ووحدات الحكومة، وهي تشكيلات تملك خبرة وقوة نارية، لكنها تحمل أيضًا تاريخًا مختلفًا وولاءات مختلفة، وأحيانًا أهدافًا متباينة