اعتبر الخبير الاقتصادي محمد فحيلي أنّ استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية في المرحلة الراهنة لا يستند إلى قوة الاحتياطي بالدرجة الأولى، بل إلى محدودية الكتلة النقدية المتداولة بالليرة، وتراجع الرغبة في الاحتفاظ بها، في ظلّ اقتصاد مدولر نقدياً وودائع مصرفية مجمّدة لا تشكّل مصدراً متاحاً لتحوّل مفاجئ نحو الدولار. وأوضح فحيلي، في حديث الى "ليبانون ديبايت" أنّ الخطر الأساسي على استقرار سعر الصرف لا يكمن حالياً في احتمال هروب الليرة المتداولة إلى الدولار، بقدر ما يرتبط بإمكانية ضخّ كميات جديدة من الليرة في السوق، ولا سيّما إذا جرى اللجوء إلى التمويل النقدي لتغطية نفقات الدولة أو تداعيات الحرب. وشدّد على أنّ الاستقرار القائم يبقى هشّاً ومشروطاً بغياب صدمة مالية واسعة، ولا يمكن اعتباره استقراراً بنيوياً راسخاً، مؤكداً أنّ التحديات متعددة، فيما الخيارات المتاحة محدودة، الأمر الذي يستدعي اتخاذ إجراءات استباقية تحصّن الوضع النقدي وتمنع تكرار التجارب السابقة. وفي هذا الإطار، وضع فحيلي مجموعة من الأولويات التي ينبغي العمل عليها للحفاظ على الاستقرار النقدي: -أولاً:تحصين الفصل بين الخزينة والمصرف المركزي،واعتبر أنّ هذه الخطوة هي الأهم، خصوصاً في ظلّ تداعيات الحرب وما تفرضه من نفقات للإغاثة والإيواء وإعادة الإعمار، فضلاً عن الضغوط المحتملة على الرواتب والإنفاق العام. وحذّر من أنّ تمويل هذه النفقات بطباعة الليرة أو عبر المصرف المركزي قد يشكّل الطريق الأقصر لزعزعة سعر الصرف، داعياً إلى إعلان موقف واضح برفض اللجوء الاستثنائي إلى إقراض الدولة، وتأمين النفقات الطارئة من فائض الخزينة بالدولار أو من المساعدات الخارجية. -ثانياً:الحفاظ على تجميد الكتلة النقدية بالليرة، ورأى أنّ أي ضخّ نقدي جديد، حتى لو جاء تحت عنوان تقني أو اجتماعي، قد يضعف الركيزة الأساسية التي يستند إليها الاستقرار الحالي. وأشار إلى إمكان الاستعانة بأدوات امتصاص السيولة، مثل شهادات الإيداع والاحتياطي الإلزامي، عند ظهور مؤشرات على اندفاع نقدي مفاجئ. -ثالثاً: حماية احتياطي مصرف لبنان وعدم استنزافه للدفاع عن سعر الصرف، ولفت إلى أنّ التدخل في السوق عبر ضخّ الدولار قد يحقق نتائج مؤقتة، لكنه قد يؤدي لاحقاً إلى استنزاف الاحتياطي، مؤكداً أنّ الأولوية يجب أن تكون للحفاظ عليه بوصفه ضمانة للثقة ولتأمين المدفوعات الأساسية. أما في ما يتعلق بالذهب، فشدّد فحيلي على أنّ أي مساس به، سواء بصورة مباشرة أو من خلال رهنه، يحتاج إلى قانون وتوافق سياسي، مستنداً إلى الإطار القانوني الذي ينظّم حمايته، ولا سيّما القانون رقم 42/1986. وحذّر من أنّ اتخاذ خطوة من هذا النوع في أجواء الحرب قد يُفسَّر على أنّه إشارة إلى حالة من الذعر، بدلاً من أن يُنظر إليه كقرار اقتصادي مدروس. -رابعاً: تثبيت قواعد الدفع والسحب القائمة، ودعا إلى تجنّب استحداث منصات جديدة أو اعتماد أسعار صرف رسمية متوازية أو إجراء تعديلات مفاجئة على التعاميم التي تنظّم السحوبات، معتبراً أنّ تعدّد القواعد والأسعار من شأنه إعادة إنتاج التشوّهات النقدية التي شهدها لبنان سابقاً، بما فيها تجربة منصة «صيرفة». وشدّد على أنّ وضوح القواعد واستقرارها وقابلية توقّعها عناصر أساسية للحفاظ على الثقة. -خامساً: ضمان استمرارية نظام المدفوعات والعلاقات المصرفية الخارجية، وأوضح أنّ الأزمات الأمنية قد تجعل تعطّل المقاصة أو انقطاع خطوط التعامل مع المصارف المراسلة أكثر خطورة من تحرّك سعر الصرف نفسه، لما لذلك من انعكاسات على التحويلات والتجارة والمدفوعات الأساسية. كما دعا إلى التشدد في مراقبة أعمال الصرافة ومكافحة تبييض الأموال، محذّراً من أنّ أي إخفاق في الامتثال خلال الحرب قد يتحوّل إلى أزمة ثقة وائتمان. -سادساً: إعداد خطة طوارئ نقدية واضحة، وأكد ضرورة وضع خطة مكتوبة تتضمن سيناريوهات مرتبطة بمؤشرات محددة، من بينها اتساع الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق، وحجم الطلب على الدولار لدى الصرافين، وتطورات السحوبات النقدية. وينبغي، بحسب فحيلي، تحديد إجراءات مسبقة لكل سيناريو، بالتنسيق بين مصرف لبنان ووزارة المالية والجهات المعنية، ضمن آلية موحّدة لإدارة الأزمة بدلاً من القرارات المتفرقة والارتجالية. -سابعاً: اعتماد سياسة تواصل واضحة ومنتظمة، واعتبر أنّ الغموض في الأزمات النقدية يتحوّل بحدّ ذاته إلى عامل ضغط، مشيراً إلى أنّ إصدار بيانات دورية ومختصرة توضح واقع الوضع النقدي والإجراءات المعتمدة من شأنه الحدّ من تأثير الشائعات وتعزيز الثقة، أكثر مما تفعله بعض التدابير التقنية غير المصحوبة بتواصل واضح. وفي المقابل، حذّر فحيلي من ثلاثة خيارات ينبغي تجنّبها: الدفاع عن سعر الصرف بأي ثمن، وتمويل العجز عبر إصدار الليرة، وخلق أسعار صرف رسمية متعددة أو اتخاذ إجراءات مفاجئة وغير م