لم يعد ممر الهند والشرق الأوسط وأوروبا، المعروف بـ"IMEC"، مجرد مشروع لنقل البضائع بين آسيا وأوروبا، بل أصبح جزءاً من التحولات الكبرى التي تعيد رسم خريطة التجارة والنفوذ وسلاسل الإمداد في العالم. وفي هذا السياق، فإن دخول مرفأي بيروت وطرابلس إلى شبكة الموانئ المرتبطة بالممر يفتح أمام لبنان فرصة تتجاوز العائدات المباشرة للمرافئ، لأنها تضع موقعه الجغرافي أمام معادلة جديدة تتشكل على وقع الحروب والعقوبات واضطراب طرق التجارة الدولية. فالعالم لم يعد يبحث فقط عن أقصر طريق أو أقل كلفة، بل أصبح يبحث عن الطرق الأكثر أمناً والأكثر قدرة على الاستمرار في حال تعرض أحد الممرات الرئيسية للإغلاق أو الاضطراب. وقد أثبتت اضطرابات البحر الأحمر ومضيق هرمز وقناة السويس، إلى جانب الحروب الإقليمية والدولية، أن سلاسل الإمداد يمكن أن تتحول خلال أيام إلى عامل ضغط اقتصادي وسياسي. ومن هنا تزداد قيمة الموانئ التي تستطيع أن تكون جزءاً من شبكة بديلة ومرنة. بالنسبة إلى لبنان، تكمن أهمية "IMEC" سياسياً في أنه يعيد وضع البلاد أمام خيار استراتيجي مختلف. فلبنان ليس مضطراً لأن يكون جزءاً من الخط الأصلي للممر حتى يستفيد منه، بل يستطيع أن يتحول إلى عقدة متوسطية مكملة له، خصوصاً عبر مرفأي بيروت وطرابلس. وهذا يعني فتح قنوات أوسع مع الهند ودول الخليج وأوروبا، وتعزيز ارتباط لبنان بشبكات التجارة الدولية بدل بقائه أسير أزماته الداخلية وموقعه الهامشي في حركة الاقتصاد الإقليمي. اقتصادياً، يمكن أن يكون الأثر أكبر من مجرد استقبال الحاويات. فالمرفأ الناجح يولّد حوله اقتصاداً متكاملاً يشمل التخزين وإعادة التصدير والتوضيب والتصنيع الخفيف والنقل والتأمين والتمويل والخدمات اللوجستية والخدمات الرقمية. وإذا استطاع لبنان تطوير مرفأيه وربطهما بشبكة نقل حديثة، فإنه يستطيع الانتقال تدريجياً من اقتصاد يعتمد بصورة كبيرة على الاستهلاك والتحويلات والسياحة إلى اقتصاد يستفيد أيضاً من موقعه كمنصة عبور وخدمات. وتبرز هنا أهمية طرابلس بصورة خاصة، إذ يمكن أن تتحول إلى بوابة لوجستية باتجاه المشرق، بينما تستطيع بيروت أن تؤدي دوراً تجارياً ومالياً وخدماتياً. ولا ينبغي النظر إلى المرفأين كمتنافسين، بل كجزء من منظومة واحدة قادرة على خدمة التجارة اللبنانية والإقليمية. وإذا أمكن مستقبلاً إعادة تفعيل شبكة السكك الحديدية وربطها بالشبكات الإقليمية، فإن لبنان يمكن أن يستقبل بضائع لا يكون مقصدها النهائي الأراضي اللبنانية، بل الأسواق المجاورة. أما مالياً، فإن أهمية "IMEC" تكمن في إمكانية خلق مصادر جديدة ومستدامة للعملة الأجنبية. فلبنان يحتاج إلى اقتصاد ينتج تدفقات حقيقية بالدولار، وليس فقط إلى تدفقات مرتبطة بالاستهلاك أو التحويلات. ورسوم المرافئ والتخزين والنقل والتأمين وإعادة التصدير والخدمات المالية والصناعات المرتبطة بالتجارة؛ يمكن أن تشكل مع الوقت منظومة إيرادات بالعملات الأجنبية. لكن من الضروري التمييز بين ما هو مؤكد وما يزال افتراضاً، المؤكد هو أن لبنان يمتلك موقعاً جغرافياً ومرفأين يمكن أن يوفرا له منفذاً على شرق المتوسط، وأن أي دور لبناني محتمل في منظومة مرتبطة بـ"IMEC" يحتاج إلى تطوير مرفأي بيروت وطرابلس وربطهما بشبكات النقل الإقليمية. أما القول إن لبنان أصبح جزءاً فعلياً من المسار التجاري الرئيسي للممر، أو أن حركة بضائع كبيرة ستتجه حتماً إلى مرفأيه، أو أن ذلك سيؤدي تلقائياً إلى تدفقات مالية واستثمارات واسعة، فهو ما يزال افتراضاً مشروطاً. ويتوقف تحققه على قرارات سياسية إقليمية، واستقرار أمني، واتفاقات تجارية، وتمويل دولي، واستثمارات في البنية التحتية، وقدرة الدولة اللبنانية على تنفيذ إصلاحات إدارية ومالية ولوجستية. لذلك فإن الحديث الأدق هو عن فرصة محتملة قابلة للتطور، لا عن دور مضمون أو مكتمل. لكن الجانب الآخر من الصورة لا يقل أهمية، فعضوية لبنان في شبكة مرتبطة بـ"IMEC" لا تعني تلقائياً أن حركة التجارة ستتجه إلى بيروت أو طرابلس. فالممر سيبقى خاضعاً لمعادلات اقتصادية وسياسية وأمنية، وستنافس الموانئ اللبنانية موانئ أخرى في المنطقة تمتلك بنية تحتية أكبر واستثمارات أضخم وقدرة أعلى على التعامل مع أحجام ضخمة من الحاويات. كما أن لبنان يفتقد حالياً إلى بعض المقومات الأساسية التي يحتاجها ليصبح عقدة لوجستية حقيقية، وفي مقدمتها شبكة سكك حديدية فعالة، وطاقة مستقرة، ونقل بري تنافسي، وإدارة جمركية سريعة ورقمية، ومناطق لوجستية متطورة. وبالتالي فإن تحويل لبنان إلى جزء فاعل من شبكة "IMEC" يحتاج إلى استثمارات كبيرة، في وقت تعاني فيه الدولة من أزمة مالية ومصرفية تحد من قدرتها على تمويل البنية التحتية. وهناك خطر آخر يتمثل في أن يتحول المشروع إلى عبء مالي إذا اندفعت الدولة إلى إنفاق أموال ضخمة على مشاريع لا تحقق حجماً