تكشف سلسلة حوادث عملياتية وأمنية متلاحقة في أكثر من جبهة عن قلق متزايد داخل الجيش الإسرائيلي من تحوّل الانتشار الطويل على خطوط الدفاع إلى حالة من الاعتياد، بما يخفض مستوى اليقظة ويرفع مخاطر الحوادث الداخلية والهجمات المعادية في آن واحد. وبحسب تقرير للصحافي أليشا بن كيمون في موقع "Ynet" الإسرائيلي، قُتل خلال أسبوعين 3 جنود إسرائيليين في حوادث مرتبطة بالسلامة العملياتية، وقعت في شمال قطاع غزة ومنطقة نهر الليطاني في لبنان، في وقت تحذر فيه المؤسسة العسكرية من مخاطر "روتين الدفاع" والاستنزاف المستمر في الجاهزية. وجاءت أحدث هذه الحوادث في جنوب لبنان، حيث قُتل النقيب إلياف حاييم تسفلاموس إثر انقلاب مركبة "هامر" خلال نشاط عملياتي في منطقة نهر الليطاني. ويترافق ذلك مع حادثة أخرى أُصيب فيها جنديان بشظايا نيران ضمن نطاق عمل الفرقة 91، ما أعاد إلى الواجهة المخاطر التي تواجه القوات الإسرائيلية المنتشرة في مختلف الجبهات. ويعمل الجيش الإسرائيلي حاليًا، في مختلف القطاعات، وفق ما يصفه بـ"الدفاع الهجومي"، وهي صيغة لا تشبه المناورة الهجومية المتواصلة، بل تقوم على روتين يومي شبه ثابت استمر لفترة طويلة نسبيًا. وبحسب التقرير، فإن انتشار أعداد كبيرة من القوات على طول الحدود من دون تنفيذ مناورة نشطة يخلق حالة من الاستنزاف والاعتياد، ويزيد احتمال وقوع حوادث سلامة خطيرة. وقبل أسبوعين، قُتل في شمال قطاع غزة الجنديان في الاحتياط من الكتيبة 7007 التابعة للواء 16، نداف كالي وأوفيك معلم، بعدما عادت طائرة مسيّرة كانا يشغلانها إلى الموقع الذي تواجدا فيه وانفجرت. وترى القيادة العسكرية الإسرائيلية أن هذه المرحلة تمثل نقطة معقدة، إذ إن استمرار روتين الحماية لفترة طويلة على خط الدفاع، من دون مبادرة هجومية، قد يؤدي إلى إصابة القوات في سيناريوهات متعددة. وتبدأ هذه المخاطر من حوادث الطرق وحوادث التدريب، ولا تنتهي عند تراجع مستوى الحماية على ما يسمى "الخطوط الصفراء"، وتحول القوات المتمركزة فيها إلى أهداف ثابتة يسهل استهدافها. ويُضاف إلى ذلك وقوع حوادث أمنية وعملياتية في مواجهة مسلحين على الحدود السورية، التي يشير التقرير إلى أنها تشهد بدورها تصعيدًا متزايدًا. وتُظهر الصورة المتراكمة، وفق "Ynet"، أن البقاء الثابت في المواقع الدفاعية يخلق خطرين متوازيين: الأول خارجي، يتمثل في خصم يراقب القوات الثابتة ويتعلم انتشارها ويحاول اختبار منظومات دفاع الجيش الإسرائيلي، والثاني داخلي، ناجم عن تراجع مستوى التأهب الطبيعي مع مرور الوقت. ورغم أن قادة الوحدات الميدانية ينظمون ورشًا تتعلق بالسلامة ويعيدون تحديث التعليمات عند دخول كل تشكيل إلى القطاع المخصص له، فإن نتائج الأسابيع الأخيرة دفعت إلى المطالبة بتشديد أكبر وأكثر دقة في تطبيق هذه الإجراءات. وبحسب الخطط العملياتية، يُتوقع أن يبدأ الجيش الإسرائيلي تدريجيًا بتقليص حجم قواته المنتشرة في الأحزمة الأمنية على الحدود، والانتقال إلى السيطرة على المناطق من خلال عدد أقل من القوات. ويهدف هذا التوجه إلى تثبيت الوضع الميداني ووضع معايير حماية أكثر فعالية، بالتوازي مع الحفاظ على القدرة على الرد على الخصم. لكن التحدي، وفق التقرير، يبقى في أن الطرف المقابل يواصل دراسة انتشار القوات الإسرائيلية بصورة مستمرة ويغيّر أساليب عمله وفقًا لذلك. وبين حوادث غزة وجنوب لبنان والحدود السورية، يبدو أن القلق داخل الجيش الإسرائيلي لم يعد يتركز فقط على مصدر الخطر الخارجي، بل أيضًا على أثر الانتشار الطويل نفسه، إذ قد يتحول "روتين الدفاع" إلى عامل خطر إضافي إذا ترافق مع تراجع اليقظة وتآكل معايير السلامة.