مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية في جنوب لبنان، وتعثر المسار التفاوضي، واقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول 2026، تتداخل الحسابات العسكرية والدبلوماسية والسياسية، لتجعل الجنوب اللبناني أكثر من مجرد جبهة مواجهة، فبين تثبيت الوقائع الميدانية ومحاولة فرض شروط مسبقة على أي تسوية مقبلة، تبرز تساؤلات حول أهداف إسرائيل، ومدى ارتباط تصعيدها بحسابات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو الانتخابية، واحتمالات توسع المواجهة في المرحلة المقبلة. وفي قراءة استراتيجية للمشهد، يرى الخبير العسكري العميد المتقاعد بهاء حلال، في حديث لـ"ليبانون ديبايت"، أن التطورات الميدانية ومسار التفاوض والاستحقاق الانتخابي الإسرائيلي تشكل حلقات مترابطة في معادلة واحدة، حيث لا تتعامل إسرائيل مع الجنوب اللبناني باعتباره ساحة عسكرية فحسب، بل أيضاً ورقة تفاوضية وأداة يمكن توظيفها في الحسابات السياسية الداخلية. ويشير حلال إلى التناقض القائم بين المسار الدبلوماسي والمسار العسكري، لافتاً إلى أن المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية برعاية أميركية لم تُلغَ، لكنها دخلت عملياً مرحلة من الغموض والتأجيل، فالجولة التي كان مقرراً عقدها في روما أُرجئت إلى تشرين الأول، فيما أعلن رئيس الجمهورية جوزاف عون في أيلول عدم وجود مفاوضات جديدة في الوقت الراهن، بالتزامن مع استمرار العمليات الإسرائيلية في الجنوب. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الوقائع الميدانية في رسم ملامح أي تفاوض مقبل، فكلما تباطأ المسار الدبلوماسي تواصل إسرائيل عملياتها وتوسع نطاق سيطرتها، وبالتالي تزداد إمكانية توظيف التغييرات الجغرافية والأمنية للضغط على الجانب اللبناني وفرض شروط جديدة على طاولة المفاوضات. ويستشهد حلال بما أعلنته إسرائيل في 10 أيلول عن إحكام سيطرتها العملياتية على موقع علي الطاهر وتدمير البنية التحتية تحت الأرض فيه، باعتبار ذلك جزءاً من تثبيت ما تصفه بـ"منطقة أمنية"، كما يلفت إلى استمرار عمليات الهدم والمراقبة والوجود العسكري في محيط مناطق سبق أن انسحبت منها القوات الإسرائيلية، بما في ذلك محيط زوطر الغربية، وفق المعلومات المتداولة. وعليه، يمكن قراءة السلوك الإسرائيلي، بحسب هذه المقاربة، بوصفه محاولة لتثبيت وقائع ميدانية قبل الوصول إلى تسوية سياسية، بما يتيح لإسرائيل الدخول إلى أي مفاوضات مقبلة انطلاقاً من معادلات مختلفة. الغموض التفاوضي وشروط الانسحاب أما في ما يتعلق بأسباب عدم الإعلان الواضح عن استئناف مفاوضات جدية، فيبرز عامل الحسابات السياسية الإسرائيلية، إذ إن الدخول في مسار تفاوضي قد يفضي إلى الانسحاب وترتيبات أمنية وآليات رقابة دولية، وربما إعادة أجزاء من الأراضي، قد يُفسَّر داخلياً على أنه تنازل، ولا سيما في ظل الاستحقاق الانتخابي، وفق ما يشرحع العميد حلال. ويمنح استمرار الغموض، بحسب قراءته، الحكومة الإسرائيلية هامشاً للمناورة بين التفاوض والتصعيد، مع إبقاء الانسحاب مرتبطاً بشروط أمنية، في مقدمتها نزع سلاح حزب الله، وفي المقابل، يفترض الإطار الأميركي مساراً تدريجياً للانسحاب بالتوازي مع ترتيبات لبنانية تتصل بملف السلاح. وبذلك، يتحول الجنوب، برأيه، إلى ورقة تفاوضية تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، لتصبح السيطرة على الأرض عاملاً مؤثراً في تحديد شروط التسوية المقبلة. الانتخابات الإسرائيلية وحسابات نتنياهو ويرى أنه مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية المقررة في 27 تشرين الأول 2026، تزداد حساسية الجبهة الشمالية، إذ يمكن أن تشكل رصيداً انتخابياً لنتنياهو إذا استطاع تقديم العمليات العسكرية باعتبارها إنجازاً أمنياً أعاد الطمأنينة إلى سكان الشمال، وأبعد تهديد حزب الله عن الحدود، وأقام منطقة أمنية تحول دون تكرار هجوم مماثل لهجوم 7 تشرين الأول. لكن يعتبر أن هذه المعادلة تحمل في المقابل مخاطر سياسية، فاستمرار الصواريخ والطائرات المسيّرة والعمليات الحدودية، وبقاء شعور انعدام الأمن لدى سكان شمال إسرائيل، قد يحوّل الجبهة نفسها إلى عبء انتخابي، ويطرح تساؤلات حول قدرة الحكومة، رغم استخدامها القوة العسكرية، على تحقيق الأمن الذي تعد به. وفي هذا الإطار، يلفت حلال إلى ضرورة التمييز بين توظيف الملف الأمني في الخطاب الانتخابي والقول إن نتنياهو قرر مسبقاً شن حرب لأسباب انتخابية، إذ لا يكفي تزامن التصعيد مع الاستحقاق الانتخابي لإثبات وجود قرار من هذا النوع. ومن الوقائع التي تستحق التوقف عندها، تحذير نتنياهو في 29 أيلول من احتمال محاولة «أعداء إسرائيل» مهاجمة البلاد قبيل الانتخابات. وفي المقابل، أشارت تقارير استندت إلى مصادر أمنية إسرائيلية إلى عدم توافر معلومات محددة عن هجوم وشيك، وعدم رفع مستوى التعبئة العسكرية، فيما اتهم زعيم المعارضة يائير لابيد نتنياهو بإثارة الخوف لأغراض انتخابية. وتعكس