تطرح مسرحية "درجة تانية"، في مسرح مونو، إشكالية الانتماء والهوية والتمييز العنصري والحرمان من الجنسية، من خلال تجربة شخصية واقعية تحوّلت مادة مسرحية ذات أبعاد اجتماعية وإنسانية. فالعمل، الذي كتبه ديمتري ملكي، انطلاقاً من السيرة الشخصية للممثلة سمر صالح، وإخراج شادي الهبر، وإنتاج مسرح "شغل بيت"، لا يكتفي بتقديم حكاية فردية، بل يحوّل التجربة الذاتية إلى نموذج دالّ على واقع اجتماعي أوسع، لا سيما في السياق المحلي الذي تتقاطع فيه قضايا الجنسية والتمييز والانتماء، مع اعتبارات قانونية واجتماعية وثقافية معقدة. اختار الكاتب ديمتري ملكي بناء النص انطلاقاً من السيرة الواقعية لسمر صالح، وهو خيار يفرض تحدياً فنياً يتمثل في تحويل الأحداث الحياتية إلى بناء درامي من دون الوقوع في المباشرة أو الخطابية. وقد اعتمد النص على مجموعة من المحطات المفصلية في حياة الشخصية، بما فيها الطفولة، والتنمر، والعلاقات العاطفية، وتجارب التمييز، والعلاقة بالأهل، وصولاً إلى تجربتها الفنية. تؤدي سمر على الخشبة شخصية "ديفا" غنائية، وهو اختيار يخلق مسافة فنية بين الشخصية المسرحية والسيرة الواقعية. تدخل شخصية الديفا في إطار درامي يسمح لسمر بإعادة بناء ذاتها من خلال الأداء والكلام والحركة. وتتحول الشخصية المسرحية، في هذا السياق، إلى قناع فني يسمح بقول ما يصعب قوله في الحياة اليومية. ومن العناصر الدرامية المساندة أيضاً، مساعد ملثم بالسواد (غسان قوجة)، تتوجه إليه سمر طوال العرض. تؤدي هذه الشخصية الغائبة وظيفة درامية ونفسية في الوقت نفسه، فهي تمثل المستمع الافتراضي الذي يتيح للبطلة أن تسترسل في سرد تجربتها. الستائر الفاصلةتظهر رؤية المخرج شادي الهبر بوضوح في بناء الفضاء المسرحي وفي توظيف العناصر البصرية والصوتية. فقد قُسّمت المنصة إلى مستويين، واستخدمت ستائر شفافة تفصل بين مناطق الأداء وتتيح في الوقت نفسه عرض مواد بصرية متقاطعة بين الصور الشخصية ونينا سيمون وصباح ومارتن لوثر كينغ وتقارير إخبارية عن نظام الكفالة للعمال الأجانب في لبنان... وهو ما يحيط قصة سمر الفردية بسياق تاريخي واجتماعي أوسع، ليوحي بأن التجربة الشخصية ليست حالة منفردة، بل جزءاً من تاريخ طويل من التمييز والإقصاء. كما تؤدي الستائر الشفافة في المسرح وظيفة رمزية؛ فهي تفصل بين الفردي والجماعي، وبين الذاكرة الشخصية والذاكرة الاجتماعية، وبين الماضي الذي تستعيده الشخصية والحاضر الذي تعيشه على الخشبة. ويعزز استخدام الأرشيف والمواد البصرية هذا البعد، إذ ترافق الموسيقى والصور مراحل مختلفة من حياة الشخصية وتساعد في الانتقال بين مستويات السرد. كما تتيح للمسرحية الجمع بين السرد الواقعي وبعض عناصر الفانتازيا، الأمر الذي يخفف من فعل القول المباشر ويمنح العمل مجالاً للتأويل. بين البوح والاعترافلا تكتسب تجربة الممثلة سمر صالح أهمية من كونها التجربة التمثيلية الأولى فقط، بل في معرفة الجمهور، إذ ساعدتهم في دخول مسرح "مونو"، واستقبلتهم ونظّمت حجوزاتهم وتواصلت معهم. وبذلك فإن انتقالها من موقع استقبال الجمهور إلى موقع الوقوف أمامه، يمنح المسرحية دلالة رمزية بعدما أصبحت سمر نفسها موضوعاً للعرض وفاعلةً في إنتاج معناه. أداء سلس بلا تكلّف او تصنع، يرتبط بطبيعة المادة التي تقدمها وبكونها لا تؤدي تجربة خارجية عنها، بل تعيد صياغة جزء من حياتها الشخصية على الخشبة. وقد نجحت في الجمع بين السرد والأداء والمونولوغ القابض على انتباه الجمهور. تنقل مسرحية "درجة تانية" قضية التمييز والعنصرية من مستوى التجربة الفردية إلى الفضاء العام. تمنح خشبة المسرح شخصية سمر ما يمكن تسميته اعترافاً متأخراً. يجعل الماضي قابلاً للمحاسبة، والمسكوت عنه مادة للكلام والغضب والاحتجاج، ويمسي البوح مادة لإعادة صناعة هوية إنسانية أبعد من حدود الأوطان. * بطاقة "درجة تانية":تمثيل سمر صالح بالاشتراك مع غسان قوجةكتابة ديمتري ملكياخراج شادي الهبرمساعد مخرج علي بيضونتصميم اضاءة توفيق صفاويإدارة اعلام وإنتاج : كريس غفري