تتقدم إيطاليا لتكون الطرف الأبرز في ترتيبات ما بعد انتهاء مهمة قوات "اليونيفيل" في جنوب لبنان، مستفيدة من حضور عسكري طويل وعلاقات مقبولة مع الأطراف المعنية. لكن الوصول إلى قوة بديلة لا يزال يصطدم بعقدتين أساسيتين: اعتراض إسرائيل على تكرار نموذج "اليونيفيل"، وغياب الأساس القانوني الذي يمنح أي قوة جديدة صلاحية العمل والتحقق داخل الأراضي اللبنانية. وبحسب المعلومات المتداولة عن اقتراح إيطالي من 4 صفحات، تقوم الفكرة على إنشاء قوة متعددة الجنسيات أصغر حجماً بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل"، على أن تعمل بموجب قرار من مجلس الأمن وتدعم الجيش اللبناني وتحمي المدنيين وتساعد آلية وقف إطلاق النار وتراقب الانتهاكات وترفع التقارير. ويُفترض أن تؤدي القوة أيضاً دوراً في التنسيق وخفض التصعيد بين لبنان وإسرائيل، وأن تساند أي ترتيبات مستقبلية مرتبطة بنزع السلاح. لكن هذه العناوين العامة لا تحسم الأسئلة التي ستحدد حقيقة المهمة: مَن يقود القوة؟ وما حجمها؟ وما قواعد اشتباكها؟ وهل تملك حق دخول المواقع والمنازل؟ وهل تعمل بإمرة الجيش أو إلى جانبه أو بصورة مستقلة عنه؟ إيطاليا تبدو المرشحة الأكثر واقعية لقيادة المشروع. فهي تملك حالياً واحدة من أكبر الوحدات الأوروبية العاملة ضمن "اليونيفيل"، وتتولى مسؤوليات ميدانية في القطاع الغربي، كما تشارك في تدريب الجيش ودعمه عبر بعثات ولجان عسكرية. ويصل الحد الأقصى للقوة الإيطالية المرخص لها في لبنان إلى 1,256 عسكرياً، إضافة إلى مئات الآليات ووسائل النقل الجوي. كما أعلنت روما رسمياً أن وجوداً دولياً على الأرض سيبقى ضرورياً بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاجاني دعم المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية، رابطاً الحل الدائم بنزع سلاح حزب الله وانسحاب القوات الأجنبية من لبنان. إلا أن إسرائيل لا تريد قوة تحمل اسماً جديداً وتعيد إنتاج المهمة القديمة. فهي تتهم "اليونيفيل" بالفشل في منع حزب الله من بناء منشآته العسكرية جنوب الليطاني، وتطالب بأي صيغة مقبلة بأن تكون أكثر فاعلية في التحقق من نزع السلاح، لا أن تكتفي بالمراقبة وتسجيل الانتهاكات. ومن هنا، لا يبدو الاعتراض الإسرائيلي موجهاً إلى إيطاليا كدولة بقدر ما يتركز على طبيعة المهمة وحدود صلاحياتها. فتل أبيب تريد قوة تستطيع الوصول إلى المواقع التي تشتبه بوجود بنية عسكرية فيها، فيما يتمسك لبنان بأن أي تفتيش أو دخول إلى الأملاك الخاصة يجب أن يحصل وفق قوانينه وبالتنسيق مع الجيش. وتبرز هنا العقدة القانونية. فقوات "اليونيفيل" تعمل استناداً إلى قرارات واضحة صادرة عن مجلس الأمن، وفي مقدمها القرار 1701. أما القوة البديلة، فلا تستطيع الانتشار لمجرد اتفاق سياسي بين عدد من الدول، بل تحتاج إلى تفويض دولي وموافقة لبنانية يحددان بصورة دقيقة مهمتها وصلاحياتها وعلاقتها بالمؤسسات الشرعية. وتصبح المسألة أكثر حساسية عند الحديث عن "التحقق". فإذا اقتصر دور القوة على المراقبة ورفع التقارير، ستعتبر إسرائيل أنها عاجزة عن كشف السلاح والمنشآت. أما إذا مُنحت صلاحيات واسعة للدخول والتفتيش من دون الجيش، فقد تتحول إلى جهاز أمني يعمل بصورة مستقلة داخل الأراضي اللبنانية، بما يطرح إشكالية سيادية وقانونية كبيرة. كذلك، لا تزال قواعد الاشتباك مجهولة. هل يحق للقوة استخدام السلاح لحماية نفسها فقط، أم لفرض تنفيذ مهمتها؟ وكيف تتصرف إذا منعها السكان من دخول منطقة؟ ومن يقرر أن موقعاً ما عسكري ويجب تفتيشه؟ وهل تملك القوة اعتقال أشخاص أو مصادرة أسلحة، أم تكتفي بإبلاغ الجيش؟ الجيش اللبناني يبقى حجر الأساس في أي صيغة مقبلة. فهو صاحب الصلاحية القانونية في تنفيذ عمليات الدهم والتفتيش ومصادرة السلاح، وأي قوة دولية لا تنسق معه قد تتحول من عنصر استقرار إلى مصدر صدام مع السكان. وفي المقابل، فإن تحميل الجيش المسؤولية كاملة من دون دعم سياسي وقانوني ومالي سيجعل القوة الجديدة مجرد مراقب يسجل العجز ولا يعالجه. كما يبرز الخلاف على هوية الدول المشاركة. فإيطاليا تحظى بقبول أوسع نتيجة خبرتها الطويلة وعدم ارتباطها بمواقف استفزازية مباشرة، بينما تواجه فرنسا تحفظات إسرائيلية وأميركية بسبب مواقفها من الحرب. وأبدت تركيا استعدادها للمشاركة، إلا أن دخولها قد يفتح سجالاً جديداً حول التوازنات الإقليمية داخل القوة. المشكلة إذاً ليست في العثور على جنود يرتدون خوذاً مختلفة بعد مغادرة "اليونيفيل"، بل في تحديد المهمة التي سيُطلب منهم تنفيذها. فأي قوة بلا تفويض واضح ستكرر عجز المهمة الحالية، وأي قوة بصلاحيات مفتوحة قد تتحول إلى جسم أمني موازٍ للدولة. لهذا تبدو إيطاليا مرشحة، لكن الترشيح وحده لا يصنع حلاً. قبل البحث في عدد الجنود وأسماء الدول، يحتاج لبنان إلى جواب واضح عن سؤال السيادة: هل تأتي القوة لمساعدة الجيش على