وضعت محاولة إسقاط رحلة "فلاي دبي" FZ1073 والهبوط الاضطراري في تبوك بالسعودية اتفاقات أبراهام أمام اختبار يتجاوز السياسة والاقتصاد إلى صلب الأمن التشغيلي، بعدما كشفت الحادثة هشاشة منظومات الطيران والحماية والمجال الجوي الإقليمي، وأظهرت أن التطبيع لا يلغي خطر الاختراقات الأمنية بل قد يفتح أمامها مساحات جديدة. وبحسب تحليل للدكتورة عنات هوخبرغ-مروم، المتخصصة في الجغرافيا السياسية والأزمات الدولية في صحيفة "معاريف" الإسرائيلية، فإن محاولة إسقاط الطائرة تمثل "بجعة سوداء" كلاسيكية، أي حدثًا نادرًا وغير متوقع لكنه يحمل تداعيات واسعة على إدارة المخاطر في الطيران المدني الدولي وعلى استقرار اتفاقات أبراهام. وترى الكاتبة أن أهمية الحادثة لا ترتبط فقط باستهداف خط جوي مركزي بين إسرائيل والإمارات، بل أيضًا باضطرار الطائرة إلى الهبوط في السعودية، وهي دولة لا تقيم علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وفي توقيت يتزامن مع أزمة مضيق هرمز والتوتر مع إيران والتصعيد في اليمن واقتراب الانتخابات الإسرائيلية. وتكشف الحادثة، وفق التحليل، هشاشة أنظمة الطيران والحماية والمجال الجوي الإقليمي في مرحلة شديدة الحساسية الجيوسياسية، كما تشير إلى انتقال مستوى التهديد من المخاطر التقليدية، مثل الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات، إلى استهداف سلسلة الحماية الدولية نفسها وجوهر الثقة التشغيلية. وبذلك، يتحول الطيران المدني الأجنبي، وخصوصًا الخطوط المرتبطة بمطار بن غوريون، إلى نقطة ضعف داخل منظومة "الترابط الإقليمي"، في مساحة تبقى فيها قدرة إسرائيل على التأثير والإحباط محدودة بطبيعتها. ورغم أن الحادثة انتهت تقريبًا من دون إصابات بين الركاب، وأنها لا يُتوقع أن تهز العلاقات الاستراتيجية والتجارية والاستخبارية بين إسرائيل والإمارات، والتي بلغ حجم التجارة الثنائية بينهما نحو 3.2 مليارات دولار في عام 2025، فإنها أحدثت صدمة تشغيلية عميقة. فتجميد الرحلات على الخط، وتشديد الإجراءات، وتعديل المسارات، وارتفاع تكاليف النقل، والاعتماد على بدائل أكثر كلفة، كلها عوامل تُظهر حجم المخاطر الفورية وحدود ما يمكن أن توفره عملية التطبيع. وترى الكاتبة أن التعاون السياسي والاقتصادي لا يلغي خطر التنظيمات المتطرفة أو "الذئاب المنفردة" أو شبكات الوكلاء المرتبطة بإيران، وفي مقدمها الحوثيون في منطقة البحر الأحمر، ولا يلغي خطر تآكل الثقة الأمنية، بل قد يكشف هذه المخاطر بصورة أكبر. كما تُظهر الحادثة الحساسية الإماراتية الخاصة تجاه التسريبات والضغط الإعلامي، وتؤكد أن التعاون الإقليمي لا يمكن أن يشكل بديلًا من قدرة إسرائيل المستقلة على مراقبة مجالها الجوي وحمايته. وتؤدي دبي دور بوابة تجارية ولوجستية أساسية لإسرائيل باتجاه آسيا وأفريقيا والخليج، ويؤدي أي ضرر يلحق بهذا المحور إلى رفع علاوات المخاطر وإضعاف تنافسية الخط مقارنة بالبدائل الأوروبية والتركية، فضلًا عن تهديد استمرارية توريد مكونات أساسية تشمل التكنولوجيا والمعدات الصناعية والمكونات الأمنية والأدوية. وفي ظل التشابك بين الطيران والتجارة والطاقة وخطوط الملاحة البحرية، يتحول كل اضطراب جوي إلى عامل مضاعف للمخاطر الاقتصادية والأمنية. ومن هنا، تدعو الكاتبة إسرائيل إلى تطوير استراتيجية "استمرارية أعمال وطنية" لقطاعات الطيران والسياحة والتجارة، تشمل سيناريوهات طوارئ لتعطيل خطوط جوية حيوية، وتحديد بدائل لوجستية وآليات تعويض. وفي الوقت نفسه، ترى أن المطلوب هو تعديل الإجراءات وتطوير آليات تنسيق سرية، تشمل بروتوكولات طوارئ مشتركة، واتفاقات فرز ثنائية، ووجودًا أمنيًا مشتركًا في مطارات استراتيجية بالخليج، وتبادل معلومات استخبارية حساسة في الوقت الحقيقي. وعلى المستوى المعنوي، تحذر الكاتبة من أن تتحول الحادثة إلى أداة بيد إيران ووكلائها الساعين إلى ضرب الثقة بالمحور الإسرائيلي الإماراتي وإضعاف التنسيق الأمني والاستخباري بين الطرفين. ويكشف الحادث كذلك تعقيد المشهد داخل الخليج، وتحديدًا في ما يتعلق بسلطنة عمان، التي تصفها الكاتبة بأنها نقطة ضعف محتملة. فهوية المشتبه به العماني وعلاقات مسقط مع إيران والخط المناهض لإسرائيل الذي انتهجته السلطنة تطرح أسئلة حول قدرة دول الخليج على توفير مستوى موحد وموثوق من التدقيق والفرز للرحلات المرتبطة بإسرائيل. وبحسب تقارير استخبارية، كان المشتبه به قد صُنّف سابقًا بوصفه متطرفًا، لكن هذه المعلومة لم تُدخل إلى أنظمة الفرز الدولية، وهو ما تعتبره الكاتبة إخفاقًا يكشف فجوة خطرة بين التعاون العلني والتعاون الاستخباري الحساس. أما السعودية، فتظهر في هذا السياق كحلقة أساسية، إذ إن الهبوط في تبوك والتحقيق السعودي يشكلان مؤشرًا إلى تعاظم الدور الأمني والعملياتي للرياض، رغم عدم وجود تطبيع رسمي مع إسرائيل. وفي المقابل، فإن رفض ا