لبنان أمام امتحان إعادة تركيب الدولة لبنان أمام امتحان إعادة تركيب الدولةالسيادة والاقتصاد والميثاق تحت الاختبارداود رمال – "أخبار اليوم" يقف لبنان عند عتبة مرحلة لا يكفي فيها ترميم التوازنات القائمة، لأن الأزمة باتت أعمق من خلل في توزيع النفوذ بين القوى السياسية. المسألة تتصل بصورة الدولة نفسها، بقدرتها على احتكار القرار السيادي، وإدارة مواردها، وحماية مؤسساتها، وفي الوقت ذاته الحفاظ على التوازن الميثاقي الذي شكّل، رغم كل أزماته، قاعدة الاستقرار السياسي اللبناني. ولهذا تبدو الملفات العسكرية والاقتصادية والدستورية مترابطة أكثر مما توحي به عناوينها المنفصلة، إذ إن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تنجح في أحد هذه المسارات إذا بقي المساران الآخران خاضعين لمنطق المحاصصة أو الغموض أو ازدواجية المرجعيات.في البعد العسكري، تكمن المسألة الأساسية في إعادة تثبيت موقع الجيش بوصفه المؤسسة الوطنية التي يفترض أن تتجسد فيها السيادة اللبنانية، لا باعتباره طرفاً في التوازنات الداخلية. وهذا الدور لا يتحقق بالشعارات، بل يحتاج إلى إمكانات فعلية وقرار سياسي واضح وحدود محددة للمهمات وآليات قابلة للتحقق والمساءلة. فالجيش الذي يُطلب منه أن يكون أداة الدولة في بسط سلطتها يحتاج إلى دولة قادرة على تحديد ما تريده منه، وإلى سلطة سياسية تتحمل مسؤولية قراراتها ولا تنقل تبعاتها إلى المؤسسة العسكرية.خلل في العلاقة بين الدولة والاقتصادوتزداد المسألة تعقيداً عندما تصبح وظيفة الجيش مرتبطة بتنفيذ تفاهمات أو ترتيبات ذات امتداد إقليمي ودولي. هنا يصبح المطلوب الحفاظ على معادلة دقيقة وهي الاستفادة من الدعم الخارجي للمؤسسة العسكرية من دون تحويلها إلى أداة في أجندات الخارج، وتمكينها من تنفيذ قرارات الدولة من دون تحميلها مسؤولية تسويات سياسية لم تكن شريكاً في صياغتها. وكلما غابت آليات التحقق الواضحة، أصبح الجيش عرضة للتأويل السياسي، وتحولت مهمته من وظيفة وطنية محددة إلى مادة للمزايدات المتناقضة.لكن استعادة الدولة لقرارها الأمني لا تنفصل عن قدرتها على استعادة قرارها الاقتصادي. فلبنان لا يعاني أزمة مالية عادية وبسيطة، وإنما يعاني خللاً بنيوياً في العلاقة بين الدولة والاقتصاد، وبين المال العام ومراكز النفوذ. وما يجعل المرحلة الحالية شديدة الخطورة هو أن أي إعادة ترتيب للمؤسسات الاقتصادية أو للشركات التي تملك الدولة ومؤسساتها حصصاً فيها يمكن أن تتحول سريعاً إلى صراع على النفوذ، لا سيما عندما تتقاطع المصالح العامة مع مصالح القطاع الخاص.وهنا يصبح مفهوم الحوكمة أكثر من مصطلح تقني. إنه في الواقع أحد الاختبارات الأساسية لجدية مشروع الدولة. فالدولة الحديثة لا تمارس ملكيتها من خلال التدخل الاعتباطي في الإدارة، ولا تتخلى عن حقوقها لمصلحة شبكات المصالح الخاصة. المطلوب هو الفصل بين الملكية والإدارة، بحيث تمارس المؤسسات العامة حقوقها كمساهمين ضمن القانون، ويُترك القرار الإداري للهيئات المختصة، وتصبح الكفاءة والشفافية والمساءلة معايير حقيقية في إدارة الأصول.استعادة الثقة ؟! وتكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية في بلد فقد جزءاً كبيراً من الثقة بمؤسساته المالية. فاستعادة الثقة لا تمر فقط عبر إصلاح النظام المصرفي أو معالجة المالية العامة، بل عبر إظهار أن المال العام لم يعد مجالاً مفتوحاً للتوزيع السياسي. وكل تعيين في مؤسسة مالية أو شركة ذات مساهمة عامة سيُنظر إليه من الآن فصاعداً باعتباره اختباراً لطبيعة المرحلة، أي هل هي مرحلة إعادة بناء مؤسسات، أم إعادة توزيع للنفوذ القديم بأسماء جديدة؟.غير أن الاقتصاد والأمن يظلان محكومين بالسؤال الميثاقي. وهذه هي العقدة اللبنانية الأكثر حساسية. فالدستور لا يعمل في فراغ اجتماعي وسياسي، والتوازنات الطائفية ليست نتاج انتخابي، بل جزء من بنية النظام الذي تشكلت داخله الدولة الحديثة. ولذلك فإن أي تعديل في مواقع حساسة أو في طريقة إدارة المؤسسات العليا يمكن أن يُقرأ باعتباره مساساً بالتوازن الوطني، حتى لو كان مبرره القانوني أو الإداري سليماً. سلاح في اتجاهين متعاكسين المشكلة أن الميثاقية يمكن أن تتحول إلى سلاح في اتجاهين متعاكسين. فقد تستخدم لحماية الشراكة الوطنية ومنع الاستئثار، وهذا دور مشروع وضروري، لكنها قد تستخدم أيضاً لتعطيل الإصلاح وتكريس امتيازات سياسية لا تستند إلى منطق الدولة. وفي المقابل، يمكن أن يتحول خطاب الإصلاح إلى غطاء لإعادة تركيب التوازنات بطريقة أحادية، بما يولد شعوراً لدى مكونات لبنانية بأن الإصلاح يستهدف موقعها السياسي أو وجودها داخل الدولة.لهذا فإن التحدي الحقيقي ليس الاختيار بين الدستور والميثاقية، بل إيجاد صيغة تجعل الميثاقية في خدمة الدستور، والدستور في خدمة دولة قادرة على العمل. فالدولة لا تستقيم إذا تحولت الطوائف إلى بدائل عن المؤسسات، كما