في العام 2013 باعت خالتي كل ما تملكه من ذهب كي تؤمّن لابنها طريق الهرب إلى بيروت. كان قد استُدعي مجدداً إلى الخدمة العسكرية، ومعنى الاستدعاء في تلك السنوات لم يكن يحتاج إلى كثير من الشرح: العودة إلى الجيش، ثم احتمال الزج به في حرب لم يخترها ولا يريد أن يكون جزءاً منها. يومها، لم تجف دموع خالتي حتى جاءها الخبر بأنه وصل إلى الأراضي اللبنانية مع مهرب خبر الجبال جيداً. لم يصل وحده كان برفقته عدد من الشبان السوريين؛ بعضهم فرّ من الاحتياط، وآخرون من الاعتقال أو الملاحقة الأمنية. اجتمعوا في منزل واحد في بيروت، كأن الهرب من سوريا جمع مصائرهم قبل أن يجمعهم سقف واحد. عندما زرت بيروت بعد ذلك، كان ينتابني شعور غريب بأن جزءاً من دمشق انتقل إليها، في الحمرا، وفي المقاهي والشوارع المحيطة بها. كنت أصادف كتّاباً وصحافيين وممثلين وشباناً غادروا سوريا واحداً بعد آخر. أخصص يوم عطلتي للنزول إلى بيروت، لأرى أصدقائي وابن خالتي، وأتساءل كل مرة وأنا أنظر إليه لماذا ينبغي لإنسان أن يُقتاد إلى القتال إذا لم يكن يريد أن يقاتل؟ ولماذا يصبح رفضه كافياً ليعيش مطارداً؟ كان أحد أصدقائي يقول لي آنذاك: "نحن السوريين نأتي إلى بيروت لنتنفس الحرية". كانت الجملة تبدو طبيعية في مدينة تحولت، خلال سنوات قليلة، إلى واحدة من أهم مساحات اللجوء السوري والهروب من الحرب والقمع. لم تكن بيروت وحدها. شكّلت عكار والشمال، ومعهما البقاع شرقاً، بوابات أساسية للسوريين القادمين عبر الحدود، ثم توزعوا في مختلف المناطق. بعضهم مسجل كلاجئ وبعضهم يعيش ويعمل خارج أي سجل رسمي. مر أكثر من عقد على ذلك الزمن، سقط النظام السوري، وعاد مئات آلاف السوريين إلى بلادهم. لكن الطريق بين سوريا ولبنان لم يتحول إلى طريق عودة فقط، فهناك سوريون عادوا، وآخرون عبروا في الاتجاه المعاكس مرة أخرى، بعضهم بصورة غير نظامية، بحثاً عن العمل أو هرباً من الفقر أو من ظروف لا يرون أنها تسمح لهم بالبقاء في سوريا. بالنسبة إلى هؤلاء لم تعد بيروت المدينة نفسها. فالمدينة التي دخلها جيل سابق هرباً من أجهزة الأمن أصبحت اليوم مكاناً يتحسس فيه بعض السوريين خطواتهم عند كل حاجز. في الأسابيع الأخيرة، أصبح خبر المداهمات والحواجز والتوقيفات ينتقل بسرعة بين السوريين المخالفين لشروط الدخول أو الإقامة، تصل رسالة عبر الهاتف، يتصل عامل بآخر، ويصبح السؤال الأول في الصباح، أين توجد الحواجز اليوم؟ بعض الشبان الذين قدموا إلى لبنان للعمل استأجروا غرفاً في فنادق رخيصة في بيروت أو لجأوا إلى منازل وشاليهات خارج المدينة، آخرون توقفوا عن الذهاب إلى أعمالهم أو قللوا حركتهم إلى الحد الأدنى. في 14 أيلول الماضي أعلن الجيش اللبناني توقيف 123 سورياً في مناطق مختلفة بسبب تجولهم داخل الأراضي اللبنانية من دون أوراق قانونية، ضمن عمليات شملت مداهمات وحواجز مؤقتة وإجراءات قال الجيش إنها تستهدف أيضاً مكافحة التسلل غير الشرعي. وقبل ذلك بنحو أسبوعين أعلن توقيف 108 سوريين بتهمة الدخول بصورة غير شرعية والتنقل من دون وثائق قانونية. وبالتوازي، شددت السلطات إجراءات تنظيم العمالة الأجنبية. وكان الأمن العام قد منح العمال السوريين الذين دخلوا لبنان بصورة شرعية مهلة حتى 30 أيلول 2026 لتسوية أوضاعهم وفق شروط تتعلق بإجازات العمل والإقامة، معلناً أن المرحلة التالية ستشمل حملة بالتنسيق مع وزارة العمل لضبط المخالفات واتخاذ الإجراءات القانونية بحق العمال وأصحاب العمل المخالفين. لكن خلف لغة البيانات الرسمية يعيش أشخاص لا يرون في المسألة بنداً متعلقاً بالإقامة، بل احتمالاً بأن ينتهي يوم العمل بتوقيف، ثم بقرار يعيدهم إلى سوريا. "م. ع." واحد منهم. يعمل في موقف للسيارات، بعدما كان في سوريا سائقاً لدى ضابط في الفرقة الرابعة. لا يملك ترف التفكير في العودة كخيار عادي. يقول لـِ "المدن":"عودتي تعني الموت حتماً، لا أستطيع النوم ليلاً خوفاً من الترحيل القسري". في الأيام العادية كان عمله يبدأ بمراقبة السيارات وتنظيم دخولها وخروجها، اليوم، يراقب الشارع أيضاً، سيارة أمنية أو حاجز قريب قد يكونان سبباً كافياً لكي يغيب عن العمل. الخوف نفسه يعيشه "ك. ص."، القادم من دير الزور. دخل لبنان خلسة من أجل العمل وإعالة عائلته، وجد وظيفة ناطور في منزل جبلي، ويرسل راتبه شهرياً إلى أطفاله في سوريا. لا يتحدث عن بيروت باعتبارها مكاناً يريد الاستقرار فيه، بل باعتبارها فرصة عمل لا يجد مثلها في بلده، لكن حتى هذه الفرصة أصبحت مهددة. ويقول لـ"المدن": "بمجرد أن أرى عنصراً من الأمن العام أو الجيش أشعر بخوف شديد، صرت أختبئ أكثر مما أخرج، لكن ماذا أفعل؟ الجوع كافر". في جملته تختصر المعضلة كلها، الرجل يخشى البقاء، لكنه لا يستطيع المغادرة وإذا توقف عن العمل، فلن يكون وحده من يفقد دخله، بل العائلة التي تنتظر