في هذا السياق، أعاد التقرير الذي نشرته وكالة «رويترز»، بشأن حصول حزب الله على نحو 200 مليون دولار يُقال إنها مخصصة لتقديم مساعدات وتعويضات للعائلات التي دُمّرت منازلها جراء الحرب الإسرائيلية في الجنوب، فتح ملف التمويل الإيراني للحزب على مصراعيه. ولم يكن الخبر مجرد تفصيل مالي عابر، بل تحوّل إلى مادة جديدة للاشتباك السياسي بين واشنطن وطهران، وامتداداً للمواجهة حول مستقبل حزب الله وقدرته على استعادة حضوره بعد الضربات التي تلقاها. وكان الحزب قد مهّد إعلامياً لهذا الملف من خلال تصريحات سابقة للنائب حسن فضل الله، الذي أعلن، بعد زيارته إيران، استعداد الحزب لتقديم مساعدات للمتضررين، مشيراً إلى أن حجم المبلغ سيشكّل مفاجأة للولايات المتحدة. لكن ما بدا محاولة لتأكيد القدرة على احتواء تداعيات الحرب وإظهار استمرار الدعم الإيراني، سرعان ما استدعى رداً أميركياً مباشراً، كشف حجم الاهتمام الذي توليه واشنطن لهذه المسألة. رسالة أميركية تتجاوز نفي الرواية جاء الرد الأميركي على لسان المتحدث باسم وزارة الخارجية، الذي شكّك في الروايات المتداولة عن تدفقات مالية إيرانية، معتبراً أن حزب الله يلجأ إلى مصادر مجهولة وقصص مفبركة لتقديم صورة توحي بأنه لا يزال قادراً على تجاوز الضغوط واستعادة زمام المبادرة. وأكد أن الأموال التي يجري الحديث عنها غير موجودة، في موقف لا يقتصر على التشكيك في صحة المعلومات، بل يحمل أيضاً رسالة سياسية مفادها أن واشنطن تراقب أي محاولة لإعادة تنشيط القنوات المالية التي يستفيد منها الحزب. وربط المسؤول الأميركي موقفه بالضغوط التي تواجهها إيران، سواء نتيجة القيود المفروضة على صادراتها النفطية أو التراجع الحاد في قيمة عملتها، معتبراً أن الظروف الاقتصادية الإيرانية لا تسمح بسهولة توفير الموارد التي يتحدث عنها الحزب. كما شدد على أن الولايات المتحدة ستواصل استخدام العقوبات لتضييق الخناق على موارده المالية، بالتوازي مع دعم الحكومة اللبنانية في جهود إعادة إعمار المناطق الجنوبية. وفي الخطاب الأميركي، يتجاوز الأمر مسألة تقديم مساعدات للمتضررين، ليصل إلى جوهر الصراع على الجهة التي ستتولى إعادة الإعمار، ومصدر الأموال المستخدمة، والجهة التي ستدير عملية التعويض. فواشنطن تريد، وفق هذا المنحى، أن تكون الدولة اللبنانية والمؤسسات الشرعية في واجهة إعادة الإعمار، بما يمنع حزب الله من تحويل المساعدات إلى أداة لاستعادة نفوذه السياسي والاجتماعي وتعزيز حضوره في المناطق المتضررة. ومن هنا، فإن التشكيك الأميركي في مبلغ الـ200 مليون دولار لا ينفصل عن محاولة منع الحزب من تقديم نفسه بوصفه الجهة القادرة على تعويض الناس، في مقابل دولة تبدو محدودة الإمكانات. كما أن وصف الحرب التي خاضها الحزب بأنها تسببت بخسائر بمليارات الدولارات، والتأكيد أن أي مساعدات محتملة لن تكون كافية لمعالجة حجم الدمار، يعكسان سعياً إلى تقويض رواية التعافي السريع التي يحاول الحزب الترويج لها. لكن الرسالة الأهم في هذا التطور تتصل بلبنان الرسمي، وليس بحزب الله وحده. فبحسب مصادر ديبلوماسية، تبدي واشنطن انزعاجاً متزايداً من بطء الإجراءات اللبنانية المطلوبة، سواء في ما يتعلق بحصر السلاح بيد الدولة أو بملاحقة المؤسسات المالية وشركات الصرافة التي يُشتبه في استخدامها لتسهيل حركة الأموال المرتبطة بالحزب. وتنظر الإدارة الأميركية إلى هذا البطء باعتباره مؤشراً إلى غياب الحسم في تنفيذ الالتزامات المعلنة، وسط مخاوف من أن يكون لبنان يحاول شراء الوقت، عبر تقديم إشارات سياسية من دون الانتقال إلى خطوات عملية تتناسب مع حجم المطالب الدولية. ومن هذا المنطلق، قد يتحول الملف المالي إلى معيار إضافي لقياس جدية الدولة اللبنانية في تنفيذ قراراتها، لا سيما أن واشنطن تعتبر أن ضبط حركة الأموال لا يقل ضرورة عن الإجراءات الأمنية والعسكرية. وتكمن حساسية هذا المسار في أن الضغوط الأميركية قد لا تتوقف عند العقوبات المفروضة على أفراد أو كيانات محددة، بل يمكن أن تتوسع لتطال شبكات مالية وتجارية يُشتبه في ارتباطها بتمويل الحزب. وهذا يضع المؤسسات اللبنانية أمام اختبار دقيق، يتمثل في ضرورة تعزيز الرقابة المالية وتطبيق القوانين، من دون الإضرار بالقطاع المصرفي أو تحميل الاقتصاد اللبناني المنهك أعباء إضافية. إعادة الإعمار... ساحة الصراع المقبلة في المحصلة، تبدو معركة التمويل مرشحة لأن تشكل أحد أبرز عناوين المرحلة المقبلة في لبنان. فواشنطن تريد منع حزب الله من تحويل المساعدات والتعويضات إلى مدخل لإعادة بناء قدراته، فيما يسعى الحزب إلى إثبات أن الحرب لم تنتزع منه القدرة على رعاية بيئته الاجتماعية وتأمين احتياجاتها. وبين الطرفين، تجد الدولة اللبنانية نفسها أمام تحدي إثبات قدرتها على إدارة ملف إعادة الإعمار وضبط التدفقات المالية، ب