أثار دخول قوات إريترية إلى شمال إقليم تيغراي الإثيوبي مخاوف من تحوّل القتال الدائر في شمال إثيوبيا إلى مواجهة مباشرة بين أسمرة وأديس أبابا، في ظل تصاعد الخلاف بين البلدين على الوصول إلى البحر الأحمر. ويجد الطرفان اللذان تحالفا في حرب تيغراي بين عامَي 2020 و2022 نفسيهما اليوم على طرفَي صراع جديد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع مستقبل ميناء عصب الإريتري. ونقلت وكالة "فرانس برس"، في 7 تشرين الأول/أكتوبر، عن شهود ومسؤول محلي وجود قوات إريترية قرب أديغرات وتحركها جنوباً بشاحنات تحمل أسلحة ثقيلة. وأفاد مشروع رصد النزاعات "أكليد" بأن قوات إريترية عبرت الحدود من زالامبيسا، وتعرّضت لضربات بمسيّرات إثيوبية في غوادا أثناء توجهها نحو إيداغا هاموس، وهي معلومات نقلتها وكالة "أسوشيتد برس" من دون التحقق منها بصورة مستقلة. وتأتي هذه التطورات بعد دخول القوات الإثيوبية مدينة ميكيلي، عاصمة تيغراي، إثر انسحاب مقاتلي "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، وقطع العلاقات الديبلوماسية بين البلدين في الأول من تشرين الأول/أكتوبر، بعدما طردت إثيوبيا ديبلوماسيين إريتريين وردّت أسمرة بقطع العلاقات. وتكشف قراءات ثلاثة باحثين تحدثوا إلى "النهار" عن تباين في تفسير أهداف التحرك الإريتري، وسط مخاوف من اتساع رقعة القتال وتداعياته على السكان والزراعة مع بداية موسم الحصاد في الإقليم الواقع شمال إثيوبيا. يقول الأستاذ المشارك في كلية السياسات العامة بجامعة ميريلاند، مايكل ولد ماريام، لـ"النهار" إن التقارير عن تزايد الوجود العسكري الإريتري تستند أساساً إلى شهادات شهود، وتشير إلى دخول قوات بأعداد كبيرة. ويضيف: "إذا كانت هذه التقارير دقيقة، فيبدو أن ذلك يمثل انخراطاً إريترياً أكثر مباشرة في الصراع". ويوضح أن تقديره السابق لحجم دعم أسمرة للجبهة الشعبية لتحرير تيغراي كان يشير إلى مشاركة محدودة، تشمل الإمدادات والخدمات اللوجستية وبعض المعلومات الاستخباراتية، وربما عدداً صغيراً من أفراد الدعم. ويعني تأكد دخول تشكيلات عسكرية كبيرة، وفق قراءته، تغيراً في مستوى المشاركة الإريترية. ويربط مايكل ولد ماريام التحركات بقلق أسمرة من مساعي أديس أبابا للوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب. ويفسر ما يصفه بتحالف إريتريا مع الجبهة بأنه محاولة لمنع الحكومة الفدرالية من ترسيخ سلطتها في تيغراي، خشية استخدام الإقليم قاعدة لعمليات عسكرية داخل وسط إريتريا. غير أن الانقسامات داخل الجبهة أضعفتها سياسياً وعسكرياً، وعقّدت تعميق هذا التقارب. ويقدّم الباحث الإريتري المتخصص في شؤون القرن الأفريقي، يوهانس ولد ماريام، قراءة أكثر تحفظاً بشأن الدعم العسكري المباشر للمعارضة الإثيوبية. ويرجّح أن التحركات الإريترية، إذا تأكدت، تستهدف توفير عمق دفاعي وتعزيز الردع، معتبراً أن إثبات إسناد المعارضة عسكرياً يحتاج إلى أدلة أقوى مما هو متاح علناً. ويشرح لـ"النهار" أن أسمرة قد تسعى إلى إبعاد القتال عن أراضيها وإنشاء منطقة عازلة أمام تقدم القوات الإثيوبية شمالاً. وللتمييز بين انتشار عسكري جديد ووجود مستمر، يدعو إلى تتبّع الأرتال العابرة للحدود، والتشكيلات المدرعة والمدفعية، وقواعد الإمداد المستحدثة، ومقارنتها بالانتشار السابق. وفي سياق حسابات البحر الأحمر، يستحضر يوهانس ولد ماريام تصريحات السفير الإسرائيلي لدى إثيوبيا، أبراهام نيغوسي، لوكالة الأنباء الإثيوبية في 10 أيلول/سبتمبر، التي أكد فيها دعم بلاده مساعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري، واصفاً ذلك بأنه "سياسة إسرائيلية واضحة". وربط السفير تعزيز قدرات إثيوبيا باستقرار البحر الأحمر، من دون تحديد الوسيلة التي يمكن اعتمادها لتحقيق الوصول البحري. ويضع يوهانس الموقف الإسرائيلي ضمن العوامل المؤثرة في حسابات أسمرة، التي تنظر إلى ميناءَي عصب ومصوع باعتبارهما مسألتَي سيادة. ويرى إمكان تلبية الاحتياجات الاقتصادية الإثيوبية عبر اتفاقات طوعية لاستخدام الموانئ وتنظيم التجارة، محذراً من ارتفاع خطر المواجهة إذا تحولت المطالبة بالوصول التجاري إلى مساعٍ للسيطرة على أراضٍ أو موانئ خارج الحدود الإثيوبية. عناصر من قوة سلام تيغراي الموالية للحكومة الإثيوبية يلوّحون من سيارة بيك أب وسط ترحيب السكان، خلال دورية في ميكيلي، بعد دخول القوات الفدرالية وحلفائها إلى عاصمة الإقليم، في 4 تشرين الأول/أكتوبر 2026. يحدد مايكل ولد ماريام ثلاثة مسارات قد تدفع نحو تصعيد أوسع، هي استمرار هجمات القوات الفدرالية في تيغراي، ودخول قوات إريترية إضافية إلى الإقليم، وتنفيذ ضربات جوية إثيوبية داخل إريتريا. ويضيف يوهانس ولد ماريام إلى مؤشرات الخطر حشد قوات إثيوبية كبيرة باتجاه الحدود الإريترية، أو وقوع هجمات داخل الأراضي الإريترية. أما أستاذ الجغرافيا الفخري في جامعة غنت البلجيكية، يان نيسن، الذي درس ج