تقاوم "ياسمين" دموعها، وهي تعود بذاكرتها إلى عشر سنوات مضت، كي تروي لـ"النهار" كيف انقلبت حياتها رأساً على عقب، وباتت تصارع من أجل النجاة بنفسها وبطفلها الصغير. تقول "ياسمين"، وهو اسم مستعار لسيدة مصرية تبلغ من العمر 25 عاماً: "تمت خطبتي وعمري 15 عاماً، وتزوجت حين بلغت 17 عاماً. كنت لا أزال طفلة، غير مكتملة النضج، لا أدرك أعباء الزواج، ولا أقدر على تحمل مسؤوليات بيت كامل بمفردي". وتضيف: "بعد قرابة شهرين من الزواج، اكتشفت أن زوجي يتعاطى المخدرات، وأدركت أنه شخص سيئ للغاية، كان يعتدي عليّ بالضرب، لدرجة أنه أصابني بجروح خطرة، اضطررت على إثرها لإجراء عمليات جراحية لعلاجها". هناك آلاف الفتيات في مصر تزوجن في سن أصغر بسنوات من "ياسمين"، وتحملن عبء بيت كامل، في وقت مبكر. بحسب أستاذ علم الاجتماع سعيد صادق، فإن "أحدث أرقام المجلس القومي للطفولة والأمومة، تقول أن 5.7% من الفتيات تزوجن عند سن 15، وأكثر من 80% من الحالات في الريف، ونحو 117 ألف طفلة بين 10 و17 سنة متزوجة أو سبق لها الزواج". ويضيف لـ"النهار": "خط نجدة الطفل سجل ارتفاعاً في البلاغات بنسبة 29% خلال 2025، وأوقف 217 زواجاً قبل إتمامها". وتواصل "ياسمين" حديثها: "حاولت الانفصال مرراً، لكن أهلي كانوا يصرخون في وجهي ويعيدونني إليه، ويقولون لي: لقد تزوجتِ حديثاً، ماذا سيقول الناس عنا؟". موقف الأهل ليس استثنائياً، فكثيراً ما يتكرر في الأسر التي تزوج بناتها في الطفولة، وهو أيضاً ليس قسوة خالصة إذا فهم في سياقاته الاجتماعية والاقتصادية، إذ أن وجود امرأة شابة مطلقة في منطقة ريفية أو حي فقير، ليس أمراً هيناً. فبجانب أنه قد يشكل عبئاً مادياً ثقيلاً على ذويها، خصوصاً إذا رزقت بأطفال، فإنه يمثل ضغطاً اجتماعياً هائلاً. في تلك المناطق ينخفض مستوى التعليم والوعي، ويزداد نشاط التيارات الدينية المتشددة وتأثيرها، ما يجعل سيف الوصم مشهراً في وجه الجميع، ويضع سلوك النساء ومظهرهن تحت المراقبة المكثفة طوال الوقت، خصوصاً إذا حدث وطلّقن. هذا الوضع يثير خوف الرجال من "العار" والوصم بـ"الدياثة"، فالمرأة "شرف" و"عرض" وفق هذا المنظور الذي يخلط بين الأعراف الاجتماعية والمفاهيم الدينية، ما يمنح الرجل سلطاناً شبه مطلق على المرأة وعلى سلوكياتها، وقد يصل الأمر إلى حد قتلها إذا مست "شرفه" بسلوكها. اختلاف بين الأجيال القديمة والجديدة يحظر القانون المصري الزواج قبل بلوغ 18 عاماً، ويفرض عقوبات تتضمن الحبس والغرامة ضد من يشارك في تلك الجريمة، ومع هذا يرى البعض أنه غير كاف. لذلك تبذل مساعٍ لسن تشريع جديد يتضمن عقوبات وإجراءات رادعة وأكثر قوة. وتبذل الدولة ومؤسسات المجتمع المدني جهوداً للتوعية من مخاطر زواج القاصرات، ورغم التراجع النسبي في عدد الزيجات، بحسب الإحصائيات الرسمية، إلا أن الأعداد لا تزال تقدر بالآلاف كل عام. حين ننظر الى تجربة سيدة من جيل أسبق، سنلاحظ أن للقانون وجهود التوعية أثراً في الأجيال الجديدة، ومن عاصرها من الأجيال السابقة لها. تزوجت "صابرين"، وهو اسم مستعار لسيدة في سن الـ17 أيضاً، مثل "ياسمين"، لكن هذه السن كانت قانونية حينذاك، وكان هذا قبل نحو 30 عاماً. ياسمين وصابرين أخفيا وجهيهما لذلك ربما كان هذا سبباً في أن أمضت مدة أطول مما قضته "ياسمين" في زواجها، وأنجبت 4 أبناء، وعانت وتكبدت الألم في صمت بقدر ما استطاعت، لأن العرف حينذاك كان يعتبر زواجها في هذه السن أمراً تقليدياً. استمرت هذه الحال إلى أن أدركت أن ما حدث لها هو انتهاك حقيقي، فتعهدت أنها لن تكرره مع أبنائها، بحسب ما أكدت خلال حديثها إلى "النهار". قبل نحو عشرين عاماً كانت سن الزواج مسموحة لمن بلغت 16 عاماً أو يزيد، وتم تعديلها إلى 18 عاماً في عام 2008. وكانت ثمة محاولات نشطة من تيارات الإسلام السياسي، ولاسيما منها التيار السلفي، لتمرير تشريعات تسمح بالزواج لمن بلغت المحيض، من دون التزام سن محددة، وذلك إثر ثورة 25 كانون الثاني/يناير 2011، وصعود تلك التيارات سياسياً، إلا أن المحاولات قوبلت بهجوم إعلامي كاسح، وأحبط تمرير التشريع. وتقول "صابرين": "بعد 3 أيام فقط من زواجي، وجدت نفسي أخدم 12 فرداً، فقد تزوجت في بيت عائلة، وحين أبلغت زوجي أن الحمل ثقيل عليّ، قال لي "هؤلاء أبي وأمي وطاعتهم واجبة عليك"، فاضطررت إلى خدمتهم طوال اليوم في صمت. وحين يحلّ ظلام الليل، أصعد الى شقتي، وأبكي من شدة الألم الذي أشعر به في كل جزء من جسدي الضعيف". وجدت الفتاة نفسها أمّاً، تنجب الطفل وراء الآخر، وعن هذا تقول: "لقد زاد العبء عليّ بعدما أنجبت أطفالي، ولم أستطع الاستمرار فطلبت الطلاق، وانفصلت عن زوجي، قبل سنوات، وبذلت قصارى جهدي لتعليم أبنائي. لم أستطع أن أحرمهم التعليم مثلما حُرمته، كما عاهدت نفسي أنني لن أزوج أحدهم فتاة صغيرة، ولو كانت لديّ ابن