في الرابعة عشرة، كانت ريم تعرف عن الزواج ما تسمح لها طفولتها بأن تعرف. كانت تعرف الفستان الأبيض، وتعرف أن الفتيات في محيطها يتزوجن، وتحمل في ذهنها الصور التي رسمتها العادات والتقاليد عن الزواج. لكنها لم تكن تعرف ماذا يعني أن تصبح زوجة! لم تكن تعرف معنى المسؤولية الزوجية، ولا الأمومة، ولا كيف يمكن لطفلة أن تنتقل فجأة من عالم الطفولة إلى حياة الكبار. دخلت ريم الزواج وهي في الرابعة عشرة. ثم أصبحت أمّاً، فيما كانت هي نفسها، بحسب وصفها، لا تزال طفلة تحاول أن تكبر إلى جانب أطفالها.تقول إن الفتاة التي تتزوج وهي طفلة تظل تبحث عن طفولتها التي لم تعشها. ومع مرور السنوات، وجدت نفسها أمام مسؤوليات الزوج والأطفال، من دون أن تمتلك الوقت الكافي لتكوين شخصيتها وفهم احتياجاتها وأحلامها. ثم توفي زوجها وهي شابة، فأصبحت مسؤولة عن أطفالها. لكنّ حلماً قديماً بقي معها: الإعلام. أحيته، وبدأت تعمل في المجال الإعلامي، محاولة أن تحقق جزءاً من الحلم الذي رافقها منذ طفولتها. تقول إن الوصول إلى هذا الحلم كان فرحاً ممزوجاً بغصّة؛ فهي كانت تتمنى لو استطاعت تحقيقه من دون أن تحمل في سن صغيرة أعباء الزواج والأمومة والمسؤولية. بالنسبة إلى ريم، لم يكن الزواج المبكر حدثاً انتهى يوم الزفاف، بل كان بداية سلسلة طويلة من المسؤوليات التي سبقت نضجها. ولهذا تحذّر الأسر من تزويج بناتها وهن أطفال، معتبرة أن الضرر لا يقع على الفتاة وحدها، بل يمكن أن يمتد إلى الأطفال الذين ستربيهم وإلى الجيل التالي. ريم خلال حديثها الى النهار (مروة البرغش) قصة ريم تفتح ملف الزواج المبكر في سوريا: لماذا يحدث؟ ماذا يقول القانون؟ وماذا يبقى للفتاة عندما ينتهي الزواج؟ الظاهرة بالأرقام: ماذا نعرف فعلاً؟ يصعب اختزال زواج الأطفال برقم واحد، خصوصاً في سياق الحرب والنزوح، بحيث تختلف البيانات بحسب البلد والمنطقة والعينة وطريقة تسجيل الزواج. وتشير بيانات أوردتها اليونيسف عن الزيجات المسجلة بين السوريات في الأردن إلى ارتفاع نسبة الزيجات التي كانت العروس فيها دون الثامنة عشرة من نحو 12% عام 2011 إلى 18.4% عام 2012، و25% عام 2013، و31.7% في الربع الأول من عام 2014. وهذه الأرقام لا تمثل معدل زواج القاصرات داخل سوريا، بل تتعلق بالسوريات اللاجئات في الأردن والزيجات المسجلة هناك. وتكمن أهمية هذه البيانات في أنها توثق تغيراً في نمط الزواج بين اللاجئات السوريات في بلد اللجوء خلال السنوات الأولى من الحرب، لكنها لا تسمح وحدها بتقدير حجم الظاهرة على مستوى جميع السوريات داخل سوريا. وفي لبنان، قدمت دراسة مسحية أجراها صندوق الأمم المتحدة للسكان والجامعة الأميركية في بيروت وجمعية Sawa for Development and Aid صورةً أخرى عن الظاهرة. شملت الدراسة نحو 2,400 فتاة وامرأة لاجئة سورية في ثلاث مناطق من البقاع الغربي، هي بر الياس والمرج وقب الياس، خلال آب/أغسطس وأيلول/سبتمبر 2016. ووجدت الدراسة أن نحو 24% من الفتيات بين 15 و17 عاماً كن متزوجات، بينما تزوجت قرابة 35% من النساء اللواتي راوحت أعمارهن بين 20 و24 عاماً قبل بلوغهن الثامنة عشرة. كما أظهرت الدراسة انخفاضاً حاداً في الالتحاق بالتعليم مع تقدم الفتيات في العمر؛ إذ تجاوزت نسبة الملتحقات بالمدرسة 70% بين الفتيات في سن التاسعة، لكنها انخفضت إلى أقل من 17% عند سن السادسة عشرة من ضمن العينة المدروسة. لكن هذه الأرقام، شأنها شأن بيانات الأردن، تخص لاجئات سوريات في دول اللجوء وعينات محددة، ولا يمكن تعميمها على جميع الفتيات السوريات داخل سوريا. وهنا تكمن أهمية قراءة الأرقام بحذر: من شملتهم؟ أين كانوا؟ متى جُمعت البيانات؟ وهل نتحدث عن زواج مسجل أم عن زواج غير موثق؟ فالزواج غير المسجل قد لا يظهر أصلاً في السجلات الرسمية، ما يعني أن بعض الحالات يمكن أن تبقى خارج الأرقام. الحرب والفقر والنزوح... أسباب تتداخل ترى المحامية السورية الدكتورة زينب صلاح الدين الدرويش أن الزواج المبكر لا يمكن تفسيره بسبب واحد. وتصف أسبابه بأنه "مزيج متداخل يجمع بين العامل الاقتصادي المتردي، والنزوح والهجرة والوضع الأمني، إضافة للعادات والتقاليد الموروثة". في بعض الأسر، قد يُنظر إلى تزويج الفتاة باعتباره تخفيفاً للأعباء الاقتصادية اليومية، بما فيها الطعام والتعليم وغيرها من النفقات. وفي بيئات النزوح والمخيمات، تقول الدرويش إن بعض الأسر قد تعتقد أن زواج الفتاة من شخص ميسور يمكن أن يوفر لها حياة أكثر استقراراً، أو نوعاً من الحماية الجسدية والاجتماعية، أو ما يُنظر إليه باعتباره "سترة". وتشير كذلك إلى الخوف من تأخر زواج الفتاة، وضغط العادات والتقاليد، وتعطل التعليم وغياب البدائل. المحامية السورية الدكتورة زينب صلاح الدين الدرويش وبذلك، لا يظهر قرار الزواج منفصلاً عن البيئة التي يُتخذ فيها.