في العراق، لم يعد الزواج المبكر مجرد ظاهرة اجتماعية مرتبطة بالعادات والتقاليد، بل أصبح ملفاً تتقاطع فيه قضايا الفقر والتعليم والصحة والاستقرار الأسري، وصولاً إلى الطلاق وتداعياته على النساء والأطفال. وفي الوقت الذي لا يمكن فيه تحميل الزواج المبكر وحده مسؤولية ارتفاع حالات الطلاق، فإن المؤشرات الاجتماعية والصحية تظهر أن الزواج في سن صغيرة قد يجعل الأسرة أكثر هشاشة، خصوصاً عندما يترافق مع التسرب الدراسي والبطالة وضعف الاستعداد النفسي والاقتصادي. وتكشف أحدث البيانات العراقية أن متوسط العمر عند الزواج الأول بلغ 24 عاماً للذكور و21 عاماً للإناث، فيما بلغت نسبة الزواج قبل سن 18 عاماً 24.31% بين الإناث مقابل 5.32% بين الذكور؛ وهذا يعني أن نحو ربع النساء يدخلن مؤسسة الزواج قبل بلوغهن الثامنة عشرة. يقول المختص في علم الاجتماع الدكتور أحمد الربيعي لـ"النهار" إن "هذه النسبة تكشف أن الزواج المبكر ليس ظاهرة هامشية، بل جزء من الواقع الاجتماعي العراقي، وأن الفجوة بين الذكور والإناث تعكس استمرار أدوار اجتماعية تجعل الفتاة أكثر عرضة للزواج في سن مبكرة". ظاهرة واسعة ومتفاوتة بين المحافظات تشير بيانات المسح المتكامل للأوضاع الصحية والاجتماعية للمرأة العراقية لعام 2022 إلى تفاوت واضح بين المحافظات. فقد سجلت ميسان أعلى نسبة للزواج قبل سن 18 عاماً بواقع 35%، تلتها البصرة بنحو 31.06%، وكربلاء 31.02%، والنجف 30.07%، فيما سجلت واسط 27.07%، ونينوى 27.01%، والمثنى 27.03%، وذي قار 26%. في المقابل، بلغت النسبة في كركوك 15.09%، ودهوك 18.03%، والسليمانية 20.08%، وأربيل 22.01%، فيما سجلت بغداد 23.04%. ويرى المختص في علم السكان عامر الجواهري في حديث لـ"النهار" أن "الفوارق بين المحافظات تؤكد أن الظاهرة مرتبطة بظروف اجتماعية واقتصادية محلية؛ ولذلك لا يمكن مواجهتها ببرنامج واحد. فالمحافظات التي تعاني معدلات فقر أو تسرّب دراسي أعلى تحتاج إلى تدخلات مختلفة عن المناطق التي يكون فيها العامل الثقافي أكثر تأثيراً". لكن ارتفاع النسب في بعض المحافظات الجنوبية لا يعني أن الظاهرة محصورة فيها، إذ تظهر البيانات وجود الزواج المبكر في بغداد والمحافظات الشمالية أيضاً. الفقر والتعليم وجهان للمشكلة يصعب تفسير الزواج المبكر بعامل واحد. فالفقر يمثل أحد أبرز دوافعه، إذ قد ترى بعض الأسر الفقيرة في زواج الفتاة وسيلة لتخفيف أعبائها الاقتصادية أو "ضمان مستقبلها". وتشير بيانات دولية خاصة بالعراق إلى أن نسبة الزواج قبل 18 عاماً ترتفع بين الفتيات في أفقر الشرائح الاقتصادية إلى نحو 36%، مقابل نحو 14% بين الفتيات في أغنى الشرائح. تقول الخبيرة في الحماية الاجتماعية أنسام البدري لـ"النهار" إن "الفقر لا يؤدي آلياً إلى الزواج المبكر، لكنه يزيد احتمالاته عندما تعجز الأسرة عن توفير تكاليف التعليم والرعاية. ولهذا، فإن مكافحة الظاهرة تحتاج إلى معالجة أسباب الفقر إلى جانب التوعية والقانون". أما التعليم فيسير في الاتجاه المعاكس؛ فالفتاة التي تترك المدرسة تصبح أكثر عرضة للزواج المبكر، وفي حالات أخرى يكون الزواج نفسه سبباً في انقطاعها عن التعليم. ويقول المختص التربوي وسام الحاج لـ"النهار" إن "المدرسة تمثل أحد أهم خطوط الدفاع ضد الزواج المبكر؛ فكلما استمرت الفتاة في التعليم، توسّعت خياراتها المستقبلية، وتأخر قرار الزواج، وازدادت قدرتها على العمل والاستقلال الاقتصادي". كذلك، تلعب العادات الاجتماعية دوراً مؤثراً، خصوصاً عندما تنظر بعض البيئات إلى الزواج المبكر باعتباره حماية للفتاة أو وسيلة للحفاظ على السمعة الاجتماعية. ويضيف الحاج أن "الضغط الاجتماعي قد لا يأتي بصورة مباشرة، لكنه يظهر من خلال الخوف من تأخر الزواج أو نظرة المجتمع إلى الفتاة غير المتزوجة. لذلك، فإن تغيير السلوك يحتاج إلى خطاب اجتماعي طويل الأمد، وليس إلى حملات موقتة". هنا يبرز السؤال الأكثر حساسية: هل الزواج المبكر يؤدي إلى الطلاق؟ لا توجد في البيانات الوطنية المنشورة بصورة دورية سلسلة إحصائية تربط عمر الزوجين عند الزواج بحالات الطلاق اللاحقة؛ ولذلك لا يمكن القول مهنياً إن نسبة محددة من حالات الطلاق في العراق سببها الزواج المبكر. لكن غياب هذا الربط الإحصائي لا ينفي وجود عوامل مشتركة بين الظاهرة وأسباب تفكك الأسرة؛ فالزواج في سن صغيرة قد يترافق مع عدم النضج النفسي، ضعف الاستقلال الاقتصادي، التسرب الدراسي، تدخل العائلتين، البطالة، الحمل المبكر وعدم القدرة على إدارة الخلافات. ويقول المختص في علم الاجتماع الأسري سامر حسين لـ"النهار" إن "الزواج المبكر ليس سبباً منفرداً للطلاق، لكنه قد يضع الزوجين في بداية الحياة الزوجية من دون الأدوات اللازمة لإدارة المسؤوليات والخلافات. وعندما تضاف البطالة أو الفقر أو تدخل الأهل، تصبح العلا