كانت نور، وهو اسم مستعار، طفلة تحلم بأن تكبر في كنف عائلة حنونة، وبيت آمن تكبر فيه، لكن بين أحلام نور وواقعها كانت هوّة واسعة. انفصل والداها، وتزوج والدها من جديد، لتجد نفسها في منزل لم تشعر فيه بالأمان، وسط معاملة قاسية وعنف نفسي وتمييز، في وقت كانت فيه طفولتها تتآكل يوماً بعد يوم. لم تجد نور يومها باباً آخر للخروج سوى الهرب. وكان الثمن زواجاً في الثالثة عشرة. بعد ثلاثة عشر عاماً على زواجها وطلاقها، لا تزال نور تبكي بحرقة وهي تستعيد تفاصيل تلك السنوات. تقول لـ"النهار" إنها تروي قصتها لتكون صوتاً توعوياً لكل فتاة قد تجد نفسها في ظروف مشابهة، ولعلّ تجربتها تقول ما لم تكن تعرفه هي في الثالثة عشرة هو أن الهروب من العنف الأسري لا يعني بالضرورة الوصول إلى الأمان. تروي نور أن انفصال والديها كان بداية مرحلة قاسية في حياتها. تزوج والدها مرة ثانية، لكن وجود زوجة الأب لم يمنحها الاستقرار الذي كانت تحتاج إليه. بالعكس، تقول إن معاملتها كانت قاسية ومحطّمة، وإنها كانت تتعمد تحطيمها معنوياً وممارسة التمييز بينها وبين أولادها. أما المدرسة، فلم تكن جزءاً ثابتاً من حياتها، إذ لم تكن قادرة على الذهاب إليها بانتظام. لم تجد نور في والدها آنذاك الحماية التي كانت تبحث عنها. ومع تراكم العنف النفسي، وصلت إلى لحظة شعرت فيها بأن عليها أن تهرب مهما كان الثمن. تعترف "كان هذا العنف النفسي مرهقاً، حتى قررت أن أضع حداً لهذه المعاناة بالهروب". كانت قد بدأت العمل وهي في الثالثة عشرة، وهناك تعرّفت إلى شاب من طائفة أخرى ويبلغ 22 عاماً. في نظر نور الصغيرة، لم يكن هذا الشاب مجرد شخص تعرّفت إليه؛ كان مخرجاً من منزل لم تعد تحتمل البقاء فيه. لم تكن تبحث، كما تقول اليوم، عن مشروع زواج أو حياة زوجية، بل عن حضن تشعر فيه بالأمان. كل ما كانت تبحث عنه وفق نور حضن يؤويها ولم تجد ذلك إلا في هذا الشاب". كانت تريد فقط أن تنجو من الكابوس الذي تعيشه. وبعقل طفلة، كانت تقيس الأمان بتفاصيل صغيرة: شاب حنون، يهتم بها، يدعوها إلى الغداء، ويعاملها بطريقة مختلفة عما اعتادته في منزل والدها. تستعيد تلك المرحلة قائلة: "لهذه الدرجة كان تفكيري في ذلك الوقت محدوداً. كنت مقتنعة أنني سأرتاح من كل هذا العذاب وسأعيش حياة سعيدة". كانت نور في الثالثة عشرة عندما بدأت حياة يفترض أن تكون للكبار، بينما هي لم تكن قد عاشت طفولتها بعد. لم تكن تعرف نور الكثير عن الزواج، ولا عن الحمل، ولا عن المسؤوليات التي ستجد نفسها فجأة مطالبة بتحملها. وكانت الصدمة الأكبر عندما اكتشفت أنها حامل. مرّت ثلاثة أشهر على انقطاع دورتها الشهرية قبل أن تكشف وعكة صحية نقلتها إلى المستشفى حقيقة لم تكن مستعدة لها: "أنتِ حامل". بالنسبة لنور "كنت في الخامسة عشرة عندما حملت بابني، وولدته في عمر 16 تقريباً. كنت صغيرة جداً وغير مدركة لمخاطر الحمل والولادة. لوهلة شعرت أن حياتي ستنتهي هنا". وثم جاء العنف! كانت نور قد هربت من منزل والدها بسبب العنف والمعاملة السيئة، لتجد نفسها في زواج تتكرر فيه التجربة بصورة أخرى. تقول إن أخطاءها في الأعمال المنزلية كانت تقابل بالضرب. وفي الوقت نفسه، كانت تخوض الحمل والأمومة من دون معرفة كافية بما تحتاجه في تلك المرحلة، فيما لا تزال في داخلها طفلة تريد أن تلعب وتحلم بحياة مختلفة. تصف ولادتها بأنها كانت "صعبة ومرهقة جداً"، وتروي أنها، بعدما وضعت طفلها، لم تطلب سوى النوم من شدة التعب. لكن ولادة طفلها لم تمنحها الاستقرار الذي كانت تتوق إليه. تقول إن حماتها قررت منذ ولادة الطفل أن تتولى تربيته، "وكأنه لها"، على حد تعبير نور، حتى شعرت بأنها مجرد وسيلة لإنجاب الطفل. ومع كل خلاف بينها وبين زوجها، كان طفلها يتحول إلى أداة ضغط عليها. تقول "كانوا يحرمونني منه ويطلبون مني مغادرة المنزل. كنتُ أمشي ساعات في الشارع قبل أن يتصل بي زوجي ويطلب مني العودة". مرت السنوات، وبقيت نور داخل دائرة من الخلافات والعنف وعدم الاستقرار، إلى أن وصلت إلى السادسة والعشرين من عمرها وقررت طلب الطلاق. كانت يومها أمّاً لطفلين. الأول أنجبته بعدما حملت وهي في الخامسة عشرة، والثاني لم يكن قد تجاوز أربعة أشهر. لم تطلب سوى حقها في حضانة طفليها. لكن حتى هذا الحق أصبح، وفق نور، موضع ابتزاز وضغط وملاحقة وتعنيف لفظي، إلى أن وجدت نفسها أمام خيار قاسٍ: أن تتنازل عن حضانتهما مقابل أن تعيش بسلام. تنازلت نور مكرهةً عن حضانة طفليها، مع احتفاظها بحق رؤيتهما. لكن الانفصال عنهما جعلها تدخل في حالة اكتئاب شديدة، بعد حرمانها من طفليها. تؤكد "حتى حقي في رؤيتهما لم يكن دائماً سهلاً". وتروي أن طليقها بدأ يبتزها مادياً حتى تتمكن من رؤيتهما، لكنها كانت مستعدة لفعل أي شيء كي لا تُحرم من أطفالهما، ولو لساعات قليلة. بعد سنوات من زواج بدأ وهي طفلة، وأمو