بسطت جماعة الحوثي سيطرتها الكاملة على منطقة "الحجرية" جنوبي محافظة تعز، عقب انسحاب القوات الحكومية وتراجع دعم التحالف العربي، لتسقط بذلك المنطقة ذات الكثافة السكانية العالية والأهمية الاستراتيجية، والتي شكلت تاريخياً العقدة الأكبر أمام سلطات صنعاء المتعاقبة، ولطالما ظلت شائكة ومعيقة للخطوات الارتجالية لنظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح. وتُمثل الحجرية التي تمتد عبر سلسلة جبلية طويلة وتحوي قرى هي الأكثر كثافة سكانية في تعز، بقعة وعرة وخصبة وشملت سيطرة الحوثيين فيها المديريات العشر بالكامل عقب معارك استمرت أسبوعاً، وهو ما اعتبره مراقبون ضربة قاضية للحكومة المعترف بها دولياً وسلطة الدولة، بما ينعكس مباشرة على مدينة تعز وقد يقلب المعادلة العسكرية والسياسية بما لا يرتضيه داعمو الحكومة الشرعية. وحاولت جماعة الحوثي إخضاع الحجرية لسلطتها منذ بداية الحرب؛ ففي 23 آذار/مارس 2015، دخلت أطقم عسكرية تابعة للجماعة إلى إدارة أمن مدينة التربة (80 كيلومتراً جنوب تعز) واستولت عليها. وكان نظام صنعاء الجديد بقيادة زعيم "أنصار الله" عبدالملك الحوثي يعتقد حينها أنه سيطر على مديريات الحجرية العشر: "خدير، الصلو، حيفان، سامع، الشمايتين، المواسط، جبل حبشي، المعافر، الوازعية، والمقاطرة"، في وقت كانت البلاد تعيش حالة صدمة جراء تخلي الدولة عن وجودها وتسليم مناطقها للحوثيين، مما ولد حالة استسلام وخضوع مؤقتين وفق مراقبين. غير أن الحجرية لم تنتظر ما ستؤول إليه الأمور ولم تصب بعدوى الخوف الناتجة عن الضخ الإعلامي للانقلابيين، وقامت بطرد قوات جماعة الحوثي من المنطقة حينها. وفي التطورات الأحدث، فشلت الحكومة اليمنية في تكرار سيناريو الطرد، حيث حاولت القوات الحوثية أولاً الاختراق عبر وادي الضباب من دون أن تحرز أي تقدم باتجاه الأرياف، ثم كبحت محاولتها الثانية عبر منطقة الأقروض في مديرية المسراخ وصولاً إلى نجد قسيم جنوب تعز حيث وجدت نفسها معزولة وانتهى بها المطاف إلى الرحيل. إلا أنها عاودت الاختراق عبر مديرية الوازعية الساحلية المتداخلة جغرافياً مع مدينة التربة والمناطق المحيطة بها. ومع تراخي دعم التحالف بقيادة السعودية وانسحاب الألوية العسكرية التابعة لمحور "طور الباحة" بقيادة اللواء أبوبكر الجبولي، تمكنت القوات الحوثية بعد معارك عنيفة من السيطرة على الوازعية كخطوة أولى، لتستكمل بعد معارك استمرت أسبوعاً السيطرة الكاملة على كافة المديريات العشر لتصبح الحجرية برمتها تحت سيطرتها. يُسمي المؤرخون منطقة الحجرية "أميركا اليمن اللاتينية" وريف محافظة عدن، رغم تبعيتها الجغرافية لمدينة تعز. ويعود ذلك إلى التصاق المنطقة بمحافظة عدن الجنوبية التي كانت عاصمة الدولة الاشتراكية، مما شجع أبناءها على الالتحاق بالتعليم في ظل الحكم الشمولي، فيما كانت تعز ترزح تحت حكم الأئمة ثم نظام علي عبدالله صالح. وقدم المهاجرون الشماليون من الحجرية إلى عدن مساهمة بارزة في تشكيل الوعي التقدمي عبر العديد من المثقفين والسياسيين، وفي مقدمتهم الرئيس الأسبق عبدالفتاح إسماعيل، مؤسس الحزب الاشتراكي اليمني وقائد الجبهة الشعبية لتحرير الجنوب من الاستعمار الإنجليزي، إلى جانب قيادات أخرى ساهمت في إسقاط حكم الأئمة في الشمال كأحمد محمد النعمان. ويرى مؤرخون أن النظام الإمامي وسلطة صالح سعيا إلى عزل الحجرية طمعاً في إبعادها عن المشهد السياسي لتفتيت مركزيتها القائمة على الوعي واحترام القانون؛ حيث جرى إسقاط وتغييب اسم المنطقة كلياً في بروتوكولات التعامل الرسمي للدولة. كما سعى النظامان إلى تفتيت جغرافيتها عبر تسميات جديدة وتوزيع جغرافي تضمن قضم مديريات وضمها لمناطق بعيدة عنها نسبياً من حيث الهوية المناطقية، كما حدث حين جرى قضم مديرية المقاطرة وضمها إلى محافظة لحج الجنوبية. شهدت المنطقة محاولات إخضاع عسكرية متعاقبة؛ ففي عام 1919 حاول الإمام يحيى إخضاع الحجرية بالقوة، مما أدى لاندلاع "ثورة المقاطرة" بزعامة حميد الدين الخزفار الذي حرّض المزارعين على عدم الرضوخ للإجراءات القسرية الإمامية. وعقب ثورة 26 أيلول/سبتمبر 1962 التي أطاحت بالحكم الإمامي، نالت المنطقة نوعاً من الإنصاف خلال فترة حكم الرئيس إبراهيم الحمدي (1974-1977)، الذي عمل على إعادة تشكيل الجيش وتحقيق التوازن للعمل الوطني؛ فعيّن عبدالله عبدالعالم، المنتمي للحجرية، نائباً لرئيس الجمهورية وقائداً لقوات المظلات. غير أن هذا الانفتاح مسّ مصالح النافذين القبليين في شمال الشمال، مما دفعهم للتآمر على الحمدي وقتله في ظروف غامضة أحيطت باتهامات لعلي عبدالله صالح الذي كان حينها قائداً عسكرياً لـ "لواء تعز". وعقب اغتيال الحمدي وأخيه عبدالله، سلك صالح طريقه نحو السلطة عبر الفتك بقوات المظلات وتشريدها؛ حيث شدد الخناق على نائب الرئيس قائد المظلات عبدالله عبدالعالم