منذ انتخاب جوزاف عون رئيساً للجمهورية وصولاً إلى توقيع "اتفاق الإطار" بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، بدا الحضور الأميركي واحداً من أبرز عناصر المرحلة الجديدة في لبنان. لم تكن واشنطن وحدها في المشهد، لكنها حضرت في المحطات الأساسية، من إنهاء الفراغ الرئاسي إلى تشكيل السلطة الجديدة، ثم ملف حصر السلاح والحدود الجنوبية والمفاوضات مع إسرائيل. اليوم تبدو الصورة مختلفة، الزخم الذي رافق الأشهر الأولى تراجع، فيما دخل التنفيذ في مرحلة أبطأ وأكثر تعقيداً. ومن هنا يبرز السؤال، هل تراجع الدور الأميركي في لبنان، أم أن واشنطن باتت تكتفي بإدارة مسار لم يعد يتقدم بالوتيرة نفسها؟ من انتخاب عون إلى اتفاق الإطار انتخاب عون في كانون الثاني 2025 شكّل بداية مرحلة سياسية جديدة، بعد أكثر من عامين من الفراغ الرئاسي، وفي ظل تبدل واسع في موازين القوى الداخلية والإقليمية. وبعدها ظهر الانخراط الأميركي بوضوح خلال تشكيل حكومة نواف سلام، ولا سيما في مقاربة موقع حزب الله داخل السلطة وفي الدفع نحو تعزيز دور مؤسسات الدولة. لكن المحطة الأهم جاءت لاحقاً مع "اتفاق الإطار"، الذي نقل الدور الأميركي من الدعم السياسي إلى رعاية مسار تفاوضي مباشر بين لبنان وإسرائيل. الاتفاق لم يقم على فكرة انسحاب إسرائيلي كامل يسبق معالجة السلاح، ولا على نزع كامل للسلاح يسبق أي انسحاب. الصيغة قامت أساساً على خطوات متدرجة ومتبادلة، تقدم لبناني في حصر السلاح وبسط سلطة الدولة يقابله تقدم إسرائيلي في الانسحاب والترتيبات الأمنية. وهذه النقطة أساسية لفهم التعثر الحالي. فإسرائيل لم تنفذ ما يترتب عليها في "اتفاق الإطار"، سواء في استكمال الانسحاب أو وقف الاعتداءات، فيما لا تمارس واشنطن حتى الآن ضغطاً كافياً لدفعها إلى ذلك. وفي المقابل، يبقى التنفيذ اللبناني بدوره دون ما نص عليه الاتفاق، ولا سيما في ملف حصر السلاح. وبالتالي، السبب الرئيسي لهذا التعثر هو بعدم انتقال الاتفاق من الالتزامات السياسية إلى خطوات فعلية ومتبادلة على الأرض. من هنا، استخدم كل طرف عدم تنفيذ الطرف الآخر لتبرير التباطؤ. إسرائيل تربط خطوات إضافية في الانسحاب بنزع سلاح الحزب بالكامل، فيما يحتاج لبنان إلى خطوات إسرائيلية تساعد الدولة في مواجهة الحجة التي يستخدمها حزب الله لربط مصير سلاحه باستمرار الاحتلال والاعتداءات. ثمة مؤشر آخر على تغير طريقة إدارة واشنطن للملف اللبناني. فالحضور السياسي لم يتوقف، وهو ما ظهر أخيراً في لقاء سلام روبيو، لكن بالتوازي مع ذلك بات الشق الأمني والعسكري يحتل مساحة أكبر في المتابعة الأميركية. وتأتي الجولة المقبلة من المحادثات اللبنانية ـ الإسرائيلية، المرتقبة في مقر القيادة المركزية الأميركية "سنتكوم" في تامبا، لتعكس هذا الاتجاه. فالتركيز في هذه المرحلة بات منصباً بصورة أكبر على التفاصيل الميدانية، من انتشار الجيش وآليات التحقق من خلو مناطق من السلاح، إلى الترتيبات المرتبطة بالانسحاب ومنع تجدد المواجهة. وهذا لا يعني تراجع المسار السياسي أو استبداله بمسار عسكري، بقدر ما يشير إلى أن واشنطن تحاول في المرحلة الحالية تحقيق تقدم في الملفات القابلة للمعالجة أمنياً، فيما تبقى التسوية الأوسع مرتبطة بحسابات سياسية أكثر تعقيداً. ومن هنا، يبقى السؤال في ما إذا كان إعطاء الأولوية لهذا المسار الأمني يشكل مرحلة تمهيدية للعودة لاحقاً إلى دفع سياسي أوسع، وخصوصاً بعد الاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل، أم أنه يعكس اتجاهاً أميركياً إلى خفض سقف الانخراط في لبنان. لبنان في أجندة أميركية أكثر ازدحاماً في المرحلة التي أعقبت انتخاب عون، بدا لبنان جزءاً من ورشة سياسية أميركية أوسع، من إنهاء الفراغ الرئاسي إلى دعم السلطة الجديدة وفتح المسار التفاوضي مع إسرائيل. أما اليوم، فتتحرك الإدارة الأميركية ضمن بيئة أكثر ضغطاً، تتقدم فيها المواجهة مع إيران، سواء عبر محاولة الوصول إلى صيغة سياسية معها أو احتمال الانتقال مجددا إلى عملية عسكرية أوسع، بما يفرض أعباء عسكرية ودبلوماسية واقتصادية متزايدة على واشنطن. ويأتي ذلك فيما تدخل الولايات المتحدة الأسابيع الأخيرة قبل الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني، التي باتت حاضرة في حسابات الإدارة وفي النقاش الداخلي حول السياسة الخارجية، وخصوصاً كلفة الحرب مع إيران وانعكاساتها الاقتصادية. وبالتالي، لم يعد لبنان يتحرك في الظروف نفسها التي سمحت لواشنطن خلال المرحلة السابقة بتخصيص مساحة أكبر لمتابعته سياسياً. وهذا لا يعني تراجعاً كاملاً للدور الأميركي، بقدر ما يطرح تساؤلاً حول مستوى الاستثمار السياسي فيه. فواشنطن ما زالت الطرف الوحيد القادر على التأثير في المسار اللبناني ـ الإسرائيلي، لكنها لم تستخدم حتى الآن هذا الثقل لإحداث اختراق واضح، وخاصة في ملف الانسحاب ووقف الاعتد