مرّت خلال الساعات الماضية الذكرى الثالثة لعملية طوفان الأقصى، التي نفذتها حركة حماس ضد إسرائيل في السابع من تشرين الأول/أكتوبر من العام 2023، في منطقة غلاف قطاع غزة، والتي شكّلت انقلاباً دراماتيكياً في المنطقة على مستوى الحدث، وما رافقه وتبعه من تطورات عسكرية وسياسية وأمنية واستراتيجية. طوفان الأقصى، كما بات معروفاً، ولّد طوفان أحداث جديدة وقلب المشهد السياسي والاستراتيجي في المنطقة. وحدث ما لم يكن متوقعاً، خصوصاً من جانب إسرائيل، التي اعتبرت أن ما جرى محاولة لتعريضها للإبادة، واسترجعت، نتيجة ما حدث، أمام العالم الغربي، ذكريات سردية جرائم الإبادة التي تعرّض لها اليهود على أيدي النازيين. نجحت إسرائيل في هذه المهمة، وحشدت العالم الغربي إلى جانبها، فكانت الأساطيل والسفن الحربية بمدافعها المدمّرة، من كل أنحاء العالم الغربي، إلى جانبها، بالتوازي مع تبديل في طريقة التفكير والمقاربة، حيث تم تبديل العقيدة العسكرية من الردع إلى التصفية والاقتلاع من الأرض، إن في غزة أو في لبنان. إذ نُقلت عقيدة غزة وخان يونس للتطبيق في جنوب لبنان وقراه، التي بات قسم كبير منها ممسوحاً ومقتلَعاً ومباداً أو مدمّراً. النتائج الفادحة في الخسائر، والاحتلال والتفوّق العسكري الإسرائيلي، ساهمت في اختلال ميزان القوى وإفقاده أي درجة من التوازن لمصلحة لبنان، بل تحوّل لمصلحة إسرائيل بشكل كامل، ما انعكس على المفاوضات وشروطها وطريقة انعقادها، وبالطبع نتائجها. وسط هذه المعادلة الصعبة والمعقدة، باتت طريق الدولة إلى الجنوب محاصرة ومطوّقة بين الإجرام الإسرائيلي والإنكار الإيراني، المتمثل برفض حزب الله التعاون، إن في تسليم السلاح أو المواقع، أو في الاعتراف بدور للدولة وموقعها. الذي جرى أن الدولة، بأجهزتها ومسؤوليها، باتت تنفّذ سياسة الزيارات الخاطفة إلى الجنوب، كمثل الزيارات والغارات السريعة لإثبات وجود هزيل وضعيف أساساً. أولى الزيارات الخاطفة والسريعة والرمزية كانت زيارة رئيس مجلس الوزراء نواف سلام إلى زوطر الغربية، وهي ما عُرف بزيارة "غرس العلم"، لتشكّل خطوة رمزية لبداية انطلاق عودة الدولة إلى المناطق المطرودة منها بفعل فداحة الاحتلال وتمنّع حزب الله وتكبّره. الخطوة الرمزية الثانية تمثّلت بزيارة رئيس الجمهورية جوزاف عون إلى مدينة النبطية، مستبقاً رئيس الحكومة الذي انشغل بالتحضير لزيارته الولايات المتحدة الأميركية. كانت زيارة رئيس الجمهورية إلى النبطية مهمة من الناحية الرمزية والمعنوية، باعتباره رئيس الدولة. وهي أتت لتؤكد، كما زيارة سلام إلى زوطر، أن الدولة موجودة ومصمّمة على البقاء في الجنوب والتمسّك به ودعمه ومساندته. التطور الذي تبع ذلك تمثّل بالزيارة الأخيرة لسلام إلى مدينة النبطية، وإطلاقه ورشة إعادة إعمار وبناء المؤسسات الرسمية، انطلاقاً من وضع حجر أساس مركز الدفاع المدني، إلى غيرها من المؤسسات الرسمية. التطور المهم وغير المسبوق في زيارة سلام إلى النبطية تمثّل بظهور أولي وقوي للمجتمع المدني الجنوبي، عبر صوت الناشطة عبير مروة، التي لخّصت القضية بالقول: "نحن مع الدولة وعودتها، ومع استعادة الأرض بالتفاوض والدبلوماسية". يعني أننا لسنا مع سياسة حزب الله. هل كان يُسمح بهذا التطور مسبقاً من قبل حزب الله، في أي قرية جنوبية أو بقعة يتواجد هو فيها؟ بالطبع، لم يكن حزب الله ليسمح بذلك أبداً. الذي جرى، مع زيارة سلام إلى زوطر، ومن ثم عون وسلام إلى النبطية، أن أصوات اعتراض وتشكّي المواطن الجنوبي غير الحزبي بدأت بالظهور، وحجزت مكاناً واسعاً ومعتبراً لها. العامل الأساس الذي سمح بهذا التطور المهم تمثّل بأمرين اثنين: أولاً: تراجع قدرات حزب الله العسكرية، بعد سلسلة الضربات الإسرائيلية الموجعة له، ولماكينته المتعبة والمتوترة، بالترافق مع الخسارات والهزائم المتتالية التي كُتبت في سجله، وليس آخرها سقوط علي الطاهر. ثانياً: قرار الرئيس نبيه بري بداية التموضع بعيداً عن سياسة ونهج حزب الله الانتحارية، وغير القادرة على إجراء المراجعة واتخاذ العبر وتخفيف الخسائر والسير بسياسة جديدة تسمح بإعادة بناء وإعمار لبنان والجنوب. كل الخطوات والزيارات ما كانت لتتحقق لولا أن قررت حركة أمل والرئيس بري مساندتها على الأرض. زيارة الرئيس سلام إلى زوطر وغرس العلم ما كان يمكن أن تتم لو لم تسانده وتنسّق معه حركة أمل على الأرض، في التوجه العام وفي التفاصيل على الأرض. خاطب أحد المواطنين "النبطانيين"، أي من أهل النبطية، الرئيس عون قائلاً: "ابن العيشية وابن النبطية ما في فرق بينهم، والله يخليلنا إياك أنت والرئيس بري". فوجئ الرئيس عون بطلاقة هذا المواطن، في حديثه المرمز والمشفر، لكنه بطبيعة الحال قرر ترك الأمور على حالها مع زيادة في الإطراء والتدليس . لكنه، بطبيعة الحال، قرّر ترك الأمور على حالها لمن