من باب الحماية البيئية، تُرسَم إحدى أخطر الصفقات التي لا تُختَزَل بتعديل حدود بعض المحميات الطبيعية الواقعة تحت سلطة وصاية وزارة البيئة. وفي وقت تسعى فيه الدول إلى زيادة مساحات المحميات البيئية وسط ارتفاع نسبة التلوّث والمخاطر البيئية، تعيد وزارة البيئة رسم الحدود الجغرافية لـ11 محمية طبيعية وتقلّص مساحات بعضها. على أنّ المسألة لا تنحصر بمجرّد تعديل للحدود، بل تمتد إلى تخفيف القيود على المشاريع الاستثمارية المضرّة للبيئة، على بعض العقارات التي أُخرِجَت من النطاق العقاري للمحميات، أو على عقارات كانت في الأصل متاخمة لها، وباتت وفق التعديلات، بعيدة منها. والأهم، أنّ من بين تلك المحميات ثلاث محميات في المنطقة الجنوبية المحتلّة، وهي كفرا، رامية وبيت ليف. فهل تمهّد وزارة البيئة الطريق لعقارات استثمارية في تلك المناطق؟. علماً أنّ التعديلات المقترحة، تأتي بمرسوم، فيما إنشاء المحميات صدر بقانون. ولذلك، لا يمكن تعديلها إلاّ بقانون. وهذا ما يثير تساؤلاً آخر. وضع مجلس الوزراء على جدول أعمال جلسته يوم أمس مراسيم لتثبيت حدود جديدة لـ11 محمية هي: حرج إهدن، جزيرة النخل وجزيرة رامكين، أرز الشوف، شاطىء صور، غابة أرز تنورين، اليمونة، بنتاعل، مشاع شننعير، كفرا، رامية وبيت ليف. وهذا التثبيت يأتي بناءً على خرائط جديدة اقترحتها وزارة البيئة، مغايرة للخرائط التي أقرّت وفقها قوانين إنشاء تلك المحميات في سنوات سابقة. وبحسب الخرائط الجديدة، فإنّ المرسوم المنتظر إقراره لكل محمية يُلزِم "الوزارات والإدارات والمؤسسات العامة والمصالح المستقلة والبلديات والاتحادات البلدية المعنية والجهات الخاصة المعنية، باعتماد الحدود المبيّنة بهذه الخريطة في كل شأن من عملها، له علاقة بالأنشطة والاستخدامات" داخل حدود المحمية وفي محيطها. وبناء عليه "تُلغى جميع الخرائط الصادرة في مراسيم سابقة في حال اختلاف حدودها مع تلك المبيّنة في الخريطة المقرّة بموجب هذا المرسوم". وبموجب ذلك، تُسرع وزارة البيئة في تثبيت حدود هذه المحميات بمراسيم. لكن طالما أنّ بعض الحدود يتم تغييره، فيستدعي ذلك تعديل التغيير بقانون، ثم إصدار المراسيم التطبيقية له. وهذا ما لم يحصل. وبالتالي، تضع الوزارة خرائط جديدة أمام مجلس الوزراء لإقرارها، تتضمّن تغييراً لحدود جغرافية تضم مشاعات وأملاك للدولة وعقارات خاصة جرى استملاكها بصورة قانونية، الأمر الذي "يُخرِج خطوة الخرائط الجديدة من صورتها الفنّية والعقارية البحتة، ويضعها أمام تساؤلات تطال البُعد القانوني الجديد للعقارات"، وفق ما تقوله مصادر مواكبة لهذه التعديلات، والتي تشير في حديث لـ"المدن" إلى أنّ التعديلات الجديدة "تُحرّر بعض العقارات من حدود المحميات، ما يتيح تغيير وجهة استعمالها بمشاريع واستثمارات تؤثّر على نطاق المحميات. ومن هنا نسأل وزارة البيئة عن دراسة الأثر البيئي لهذا التغيير ولما قد ينتج عن الاستثمارات التي ستكون بمحاذاة المحميات مستقبلاً". ملاحظة سياق محاولة تمرير المراسيم تحيل إلى البحث بمستوى أعمق من تغيير بعض الحدود. ولا يحتاج الأمر إلى الكثير من الوقت ليتبيَّن أنّ مَن سيستفيد من التعديلات هم أصحاب المشاريع الكبيرة والمضرّة بالبيئة، وعلى رأسهم أصحاب المرامل والكسّارات والزفّاتات وأصحاب مشاريع الفلل والشاليهات. فتكشف المصادر أنّ "تعديل حدود محمية إهدن، يصب في صالح رجل أعمال يبني مشروعاً سياحياً في المنطقة، ويحتاج إلى طريق للوصول إلى المشروع، والطريق الأنسب يمرّ من حدود المحمية". وللدلالة على ما يحصل، قلَّص التعديل المقترح المساحة البرية من محمية شاطىء صور. ووفق الخريطة المعدَّلة، ستبلغ المساحة البرية من المحمية 185 هكتار، فيما حدّد قانون إنشاء المحمية رقم 708/1998، المساحة البرية بـ380 هكتار. وتزداد التساؤلات حول سبب الاقتطاع، عند لفت النظر إلى الإشكال المفتوح منذ أكثر من عام، حول مشروع استثماري يقوم على إنشاء نادٍ للضبّاط على عقارات تابعة لوزارة الدفاع ومحاذية للمحمية. وبسبب المخاطر البيئية التي ستنجم عن الأشغال، وبعد دعاوى رفعتها جمعيات بيئية، أصدرت قاضية الأمور المستعجلة في صور يولا العضيمي قراراً بوقف الأشغال. لكن "حلم" المشروع ما زال قائماً. أيضاً، في الخرائط الجديدة، سيتم اقتطاع نطاق عقاري واسع في منطقة عين داره، من نطاق محمية أرز الشوف، ما يعرّضها للدمار الشامل. ويعرض ناشطون بيئيون الآثار الكارثية للمرامل والمقالع والكسارات التي دمّرت البيئة في عين داره، استناداً إلى ما وثّقه مسح للجيش اللبناني. فضلاً عن عدم تحصيل نحو 400 مليون دولار من أصحاب تلك المشاريع "ممّن نهبوا مشاعات عين داره قبل تدميرها ومحاولة شطبها اليوم من نطاق الحماية". وفي هذا السياق، يقول رئيس جمعية الأرض لبنان، بول أبي راشد، إنّه "في عالم يطالب بتوسيع سيادة المحميات ال