يفصل يومٌ واحد في التقويم بين السادس من أكتوبر ١٩٧٣ والسابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وخمسون عامًا بين التاريخين. تجربتان تلتقيان على مواجهة إسرائيل، وتختلفان في إدارة الصراع، وفي العلاقة بين السلاح والدولة، وفي النتائج التي تحمّلتها الشعوب. في التجربة المصرية، خاضت الدولة صراعًا طويلًا لاستعادة أرضها المحتلة، من إعادة بناء الجيش بعد هزيمة ١٩٦٧، مرورًا بحرب الاستنزاف، وصولًا إلى عبور قناة السويس في أكتوبر ١٩٧٣. لم تستعد مصر سيناء كاملةً بالحرب وحدها، لكنها استطاعت تحويل الإنجاز العسكري إلى مسار سياسي وتفاوضي أفضى إلى معاهدة السلام واستعادة الأرض. كانت الدولة هي التي تقاتل، وهي التي تفاوض، وهي التي تحدّد الغاية من الحرب وكيفية إنهائها. تكمن أهمية هذا النموذج في قدرة الدولة على الجمع بين أدوات القوة. فالمعركة العسكرية ارتبطت بهدف وطني محدّد، ولم يتحوّل استمرار وجود العدو إلى مصدر لشرعية سلاح خارج الدولة. امتلكت مصر مؤسسةً عسكرية وقرارًا سياسيًا ومرجعيةً تفاوضية، واستطاعت أن تنتقل من الحرب إلى استعادة السيادة. ومهما اختلفت التقييمات لمسار التنمية المصري، فقد أصبح في وسع الدولة أن توجّه مواردها إلى أولويات أخرى بدل إبقائها رهينة مواجهة مفتوحة. في المقابل، تكشف تجربتا حماس وحزب الله مأزقًا مختلفًا: تنظيم مسلّح يتولّى قرار المواجهة، فيما يتحمّل المجتمع النتائج، من دون امتلاك سلطة فعلية على التوقيت أو الأهداف أو النهاية. ومع استمرار هذا الوضع، يصبح بقاء التنظيم ودوره العسكري غايةً بذاتها. وهنا يبرز السؤال الذي تفرضه تجربة السابع من أكتوبر وما تلاها: أين غزة؟ وأين جنوب لبنان؟ وما الذي عاد على الناس من أمنٍ واستقرارٍ وحقوقٍ مستعادة؟ إنّ قياس النتائج يقتضي النظر إلى حياة السكان وأرضهم ومستقبلهم، وإلى ما تحقّق للقضية التي خيضت الحرب باسمها. هذه المحاسبة لا تعفي إسرائيل من مسؤوليتها عن اعتداءاتها وجرائمها. لكنها تضع أيضًا مسؤوليةً على من يتخذ قرار المواجهة: ما الهدف الممكن تحقيقه؟ وما الوسائل المتاحة؟ وكيف سيُحمى المدنيون؟ وما الطريق إلى إنهاء الحرب؟ فعدالة القضية لا تمنح أي قيادة إعفاءً من تقييم قراراتها ونتائجها. المشكلة أعمق من اختيار حرب العصابات أو الحرب النظامية. فهي تتصل بموقع السلاح داخل المجتمع: هل يخضع لمرجعية وطنية مسؤولة، أم يمنح التنظيم الذي يحمله سلطةً تعلو على المؤسسات؟ حين يصبح السلاح سلطةً فوق الدولة في الحالة الفلسطينية، رسّخ الانقسام بين غزة والضفة تعدّد السلطات والقرارات، وأسهم تدخّل الإرادات الخارجية في إضعاف القدرة على بلورة استراتيجية وطنية واحدة. ولهذا المأزق جذور في العلاقة بين استقلال القرار المسلّح وسلطة الدولة في البلدان التي احتضنت الفصائل الفلسطينية. في لبنان، منح اتفاق القاهرة عام ١٩٦٩ العمل المسلّح الفلسطيني مجالًا للحركة، وكرّس ترتيبات انتقصت من سيادة الدولة ووحدة قرارها. وفي الأردن، بلغ الصدام بين الفصائل والسلطة ذروته في أحداث أيلول ١٩٧٠. وعلى اختلاف السياقين، برز تناقض بين سلطة الدولة ومطالبة التنظيمات بحرية حركة عسكرية مستقلة عنها. وفي جنوب لبنان، عبّر ما عُرف بـ«فتح لاند» عن اتساع هذا الاستقلال داخل الجغرافيا اللبنانية. ومن «فتح لاند» إلى تجربة حزب الله، ظلّ سؤال السيادة حاضرًا: من يملك قرار استخدام الأرض اللبنانية في المواجهة؟ لقد انتقص احتفاظ حزب الله بقرار عسكري مستقل من سلطة الدولة على الحرب والسلم. وحين يُترجم التفوّق المسلّح إلى نفوذ داخلي، تصبح الحكومة والمؤسسات محكومةً بتوازن قوى يتجاوز الدستور والمساءلة. وتقدّم أحداث ٧ أيار ٢٠٠٨ في لبنان مثالًا واضحًا على هذا التداخل. فقد انتقل الخلاف على قرارات حكومية إلى مواجهة مسلّحة، ثم إلى تسوية الدوحة. أنهت التسوية الأزمة المباشرة، لكنها أعادت طرح السؤال نفسه: كيف يمكن بناء سلطة وطنية تقوم على المساواة في الحقوق والخضوع للقانون، حين يمتلك أحد أطرافها قدرةً عسكرية يفتقر إليها الآخرون؟ وفي الساحة الفلسطينية، عبّر اتفاق مكة عام ٢٠٠٧ عن الحاجة إلى وقف الاقتتال وتشكيل حكومة وحدة وطنية وإصلاح منظمة التحرير. لكنّ قيمة اتفاقات المصالحة تبقى مرتبطةً بقدرتها على إنتاج مؤسسات موحّدة وقرار مشترك، لا بمجرد جمع الأطراف حول طاولة واحدة. من هنا، يصبح استخدام مصطلحات «الوحدة الوطنية» و«الحوار الوطني» موضع اختبار. هل يفضي الحوار إلى إخضاع القوة لسلطة مشتركة، أم إلى تثبيت امتيازات من يملك القوة؟ وهل تُستخدم الدولة لحماية المجتمع واستعادة حقوقه، أم تُسخّر مواردها وشرعيتها لحماية مشروع التنظيم السياسي والأمني؟ وتزداد المشكلة حين يصبح استمرار وجود العدو مصدرًا دائمًا لشرعية السلاح. ففي هذه الحالة، يواجه التنظيم تناقضًا بين الغاية المعلنة، أي إنهاء الاحتلال واستعادة الحقو