حين يستضيف لبناني عائلة نازحة، لا يعني ذلك أنّه وافق على قرار قيادة حزب الله بالمواجهة. وحين تؤمّن الحكومة اللبنانية المساعدة للمتضررين، لا تصبح بذلك مسؤولة عن قرار عسكري لم تتخذه. مساعدة أهل الجنوب لا تتطلب تأييد خيارات الحزب أو الامتناع عن مساءلته. لكن ربط التضامن بالصمت عن القرار يفرض مطلباً آخر: أن تصبح مساعدة من دفعوا ثمن الحرب بيعةً لمن قرّر. هذه هي المسألة التي يحاول خطاب التضامن، حين يُستخدم لمنع المحاسبة، إخفاءها. اتخذت قيادة حزب الله قرار المواجهة خارج مؤسسات الدولة. واللبنانيون الذين لم يوافقوا عليه مطالبون اليوم بالمساهمة في الإغاثة وتحمّل آثار الحرب. لكن مشاركتهم في معالجة الخسائر لا تمنح القيادة موافقةً لم تحصل عليها قبل القرار. يبقى لهم حق الاعتراض عليه ومناقشة نتائجه. موضوع المساءلة واضح: تقدير قيادة الحزب لقدرتها على حماية الناس والأرض، والأهداف التي حددتها للمواجهة، والكلفة التي توقعتها، والنتائج التي تحققت. هذه الأسئلة تتعلق بالقيادة التي امتلكت القرار. تحويل النقاش إلى اتهام منتقديها بالشماتة لا يقدّم إجابة عنها. ومن أقسى ما يمكن أن يحصل أن يصبح وجع الناس سبباً لمنع هذه الأسئلة. أن يُفهم الاعتراض على قيادة الحزب كأنه اعتراض على مساعدة جمهوره، أو أن يصبح الدفاع عن المتضررين دفاعاً تلقائياً عن كل ما قررته القيادة. وإذا صار كلّ اعتراض خيانةً للتضحيات، فلن تعود هناك نتيجة، مهما كانت قاسية، تستطيع أن تفرض المراجعة. أما الدولة، فتُحاسَب على تأمين المأوى والمساعدات، وعلى تأخرها أو تقصيرها في خدمة المتضررين، وعلى جهودها لوقف الاعتداءات وتأمين العودة والإعمار. لكن مساءلتها عن هذه الواجبات تختلف عن تحميلها مسؤولية خيارات الحزب، وعن توريثها الهزيمة. ويظهر التناقض في الموقف الذي يبرر استقلال قرار الحزب بضعف الدولة، ثم يطالب الدولة بتحقيق ما لم يحققه الحزب. قبل المواجهة، يُستخدم عجزها لتبرير تجاوز مؤسساتها. وبعد الخسارة، تُدان لأنها لم تستعد الأرض أو تؤمّن العودة سريعاً. هذا الموقف يحاسب الدولة على محدودية قدرتها، لكنه يستبعد مراجعة تقديرات الحزب التي قدم نفسه بديلاً أكثر قوة وقدرة. وحين تنحصر المطالبة بالمحاسبة في الدولة، يبقى السؤال عن قرار الحزب بلا جواب. من حق المتضررين مساءلة الدولة عن المساعدة، ومن واجبهم أيضاً مساءلة حزب الله عن نتائج خياراته. ولا تحل محاسبة جهة محل محاسبة الأخرى. قيادة حزب الله مطالبة بتفسير قرارها وتحمل مسؤوليته. والدولة مطالبة بأداء واجباتها تجاه المتضررين. واللبناني يحتفظ بحقه في نقد الحزب. لا تتعارض هذه المواقف، ولا يحتاج التضامن إلى إسقاط أيّ منها.