إذا كانت المسارات التي بدأت تتبلور في المنطقة تعكس فعلاً انتقالاً تدريجياً من منطق المواجهة إلى منطق التسويات، قد يكون الشرق الأوسط أمام إعادة ترتيب عميقة لا تقتصر على وقف الحروب، بل تطال طبيعة العلاقات بين الدول ومستقبل القوى المسلحة التي نشأت في ظل الصراعات المفتوحة. ستكون لهذا التحول تداعيات مباشرة على لبنان. فالمعادلة التي قام عليها دور حزب الله لعقود، باعتباره جزءاً من منظومة إقليمية أوسع للمواجهة والردع، قد تجد نفسها أمام بيئة مختلفة جذرياً إذا استمرت مسارات التفاوض والتسويات في محيط لبنان. ومع انحسار الجبهات الإقليمية، سيصبح السؤال اللبناني أكثر إلحاحاً: ما الوظيفة التي يبقى يؤديها السلاح خارج مؤسسات الدولة؟ من هنا تكتسب المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية أهمية تتجاوز الملفات الحدودية أو الأمنية المباشرة. فإذا انتهت إلى تفاهم قابل للتطبيق، قد تشكل مدخلاً لإعادة تثبيت موقع الدولة اللبنانية، ولتحويل الحدود من ساحة اشتباك دائم إلى مساحة قابلة للاستقرار. لكن ذلك لن يكون تلقائياً، إذ يحتاج إلى قرار داخلي واضح بإعادة حصر قرار الحرب والسلم بالدولة. في المقابل، فإن أي انتقال إلى مرحلة جديدة لا يمكن أن ينجح عبر المقاربة الأمنية وحدها. فالاستقرار يصبح بلا معنى إذا لم يتحول إلى قدرة على إعادة بناء الاقتصاد والدولة. لهذا، سيكون التحدي الحقيقي أمام لبنان كيفية تحويل التسويات المحيطة إلى فرصة وطنية. فإغلاق الجبهات من حوله قد يفتح أمامه نافذة نادرة للخروج من اقتصاد الحرب والأزمات، لكن اغتنامها يتطلب توافقاً داخلياً على وظيفة الدولة. قد يجد لبنان نفسه أمام خيار واضح: إما أن يبقى عالقاً في معادلات المرحلة السابقة، أو أن يواكب التحول الإقليمي ويعيد بناء موقعه على أساس الدولة والسيادة والاستقرار. فالمرحلة المقبلة لا تُقاس بعدد الحروب التي تم تجنبها، بل بقدرة الدول على تحويل الهدوء إلى استقرار والتنمية.