اتخذ مروان عبد العال من الواقعية السحرية وسيلة للتعبير عن الواقع الفلسطيني، في روايته "أشيرا"، الصادرة حديثًا عن دار الفارابي وأكاديميا دار الثقافة، في بيروت. ذلك أنّ هذا الواقع متقدّمٌ في سحريّته، موغلٌ في غرائبيّته، إلى حدٍّ سوريالي. ولعلّ قول أحد شخوص الرواية: "ذراع وقعت بجانبي وساق ارتطمت بي. وبنطالي كلّه ملطّخ بالدم. ومن شاهدني أعتقد أنّي أُصبت. صديقي كان بجانبي لم أجده ولكنّ الساق التي ارتطمت بي تعود إلى ذلك البنطال نفسه الذي كان يرتديه"... يُشكّل دليلًا قاطعًا على تلك السوريالية (ص 174)، ويبرّر اتّخاذ الواقعية السحرية وسيلة للتعبير عن الواقع الفلسطيني السوريالي. ورواية "أشيرا" هي الحلقة الحادية عشرة في سلسلة عبد العال الروائية التي شكّلت رواية "سفر أيوب"، الصادرة عام 2002، حلقتها الأولى. وبذلك، يكون مجموع الروايات الصادرة له إحدى عشرة رواية، خلال أربعة وعشرين عامًا، أي بوتيرة رواية واحدة كلّ عامين تقريبًا، وهي وتيرة ناشطة إلى حدٍّ كبير. بالدخول إلى الرواية من العلاقة بين العنوان والمتن، يمكن القول إنّ الأوّل هو اسمٌ على مسمّى هو الثاني. ذلك أنّ العنوان مستمدٌّ من أسطورة كنعانية، مفادها أنّ أشيرا إلهة كنعانية "تُحيي الناس بعد الدمار، وتغزل الخيوط من رماد الهزيمة"، وأنّها تُعتبَر إلهة الموت في بعض المصادر، وأنّها زوجة الإله الأعظم إيل، وقد أنجبت منه سبعين إلهًا، في مصادر أخرى. أمّا المتن فتدور أحداثه في مناخ من الواقعية السحرية، تتمّ فيه أسطرة بعض الشخوص، وتُسنَد فيه أدوار معيّنة إلى النبات والحيوان، ويزخر بوقائع خارقة وأحداث غرائبية. وبهذا المعنى، يكون العنوان من المتن بمثابة الاسم من المسمّى. تبدأ الرواية ببحث أشيرا عن أولادها الثلاثة الذين اختفوا في ليل الحرب، وتنتهي بقيامة الشهداء من قبورهم، في يوم الحشر الفلسطيني، ومشاركتهم في عرس التحرير، وقد عاد الغزاة من حيث أتوا، وعادت الأرض إلى أصحابها الأصليين. وبين البداية والنهاية مجموعة من الأحداث التي تجري في قطاع غزة، لا سيّما في مخيّم رفح للاجئين الفلسطينيين، خلال ما عُرف بطوفان الأقصى الذي اندلعت شرارته الأولى، في السابع من تشرين الأول 2022، وما ترتّب عليه من تداعيات خطيرة، أبرزها حرب الإبادة التي شنّها المحتلّ على أهل القطاع. وهي أحداث يختلط فيها الواقعي بالأسطوري، والعادي بالغرائبي، والحقيقي بالسحري. ترصد التحوّلات المختلفة التي آلت إلى النهاية المذكورة أعلاه. تُشكّل واقعة اختفاء أبناء أشيرا الثلاثة، نور ونصر وسدرا، غداة التحاقهم بالمعركة ضدّ المحتلّين، محرّك الأحداث في الرواية؛ ذلك أنّ أشيرا، السيّدة العظيمة القوية ذات القدرات الخارقة، تنخرط في عملية البحث عن أولادها، في معركة غير متكافئة بينها وبين محتلٍّ، يقترف فعل الإبادة الجماعية، ويأتي على البشر والحجر، ويرتكب المجازر، دون حسيب أو رقيب. ويكون على أشيرا أن تتصدّى له بما ملكت أيمانها من أسلحة. أشيرا الكنعانية تَهَبُ مَن تحب ثمرة من بستانها البرّي، حتى إذا ما غاب عنها، دفنتها في الأرض، فنبتت ذاكرة الحبيب وصوته وظلّه وضحكته، كما تقول الأسطورة. حفيدتها الفلسطينية، كانت لها أسلحتها الخاصّة لاستحضار أحبّتها المختفين، ومنها حياكة الدمى، وخياطة الأكفان، وتكليف الطائر الأخضر بتقصّي أخبارهم، واستشارة شجرة السدر الكبيرة، وتلقّي الرسائل بانتظام من غودو الأسير الذي لا توضح الرواية طبيعة علاقتها به، وهو يشير في بعض رسائله إلى حدث كبير، سيحدث في الساعة الخامسة، من ذات فجر، فتروح أشيرا تنتظر الحدث الموعود دون أن تعرف ماهيته، وتستمرّ، في الوقت نفسه، في استخدام الأسلحة المتاحة لها. حتّى إذا ما أزفت الساعة الموعودة، اكتشفت أنّ الغزاة رحلوا، وأنّ الأرض قد عادت لأهلها، وأنّ الشهداء قد خرجوا من قبورهم للمشاركة في عرس التحرير. هذه حكاية تنخرط فيها مجموعة من الشخوص النامية، البشرية وغير البشرية، ويكون لكلٍّ منها دوره في الرواية المختلف عن الآخر، لكنّ الأدوار المختلفة تتفاعل في ما بينها وتتكامل لتصنع مسار الأحداث ومصيرها. في الشخوص البشرية، تبرز أشيرا نموذجًا للمرأة الفلسطينية المناضلة، في قدرتها على تحمّل النكبات، والنزوح من مخيّم إلى آخر، والتصدّي للوقائع القاسية، وعدم الاستسلام لها، والنهوض في كلّ مرّة. فهي تشهد مصرع زوجها الأوّل في مجزرة شاتيلا عام 1982 وتنجو بطفلها الذي لم يكن قد تجاوز العام الواحد. تُطاردها الحرب إلى مخيّم اليرموك الذي انتقلت إليه بداعي الزواج. يُستشهد زوجها الثاني في طوفان الأقصى، وتفقد أولادها الثلاثة في المرحلة نفسها. ومع هذا، لا ترفع الراية البيضاء، ولا تتخلّى عن حقّ شعبها في التحرّر والحرية. ولعلّها تشكّل معادلًا روائيًّا لفلسطين نفسها. ويبرز الأخ الأكبر نور الدين الذي نجا من مجزرة شاتيلا طفلًا، ومن مجز