قبل نحو أسبوعين من جولة المفاوضات العسكرية الحساسة المرتقبة في تامبا، يبدو المشهد موزعًا بين اتجاهين متناقضين: إصرار إسرائيلي على التصعيد ميدانيًا وسياسيًا، وتقاطع التحركات الدبلوماسية العربية والدولية في محاولةش للإنقاذ. وفيما بات التوغل الميداني نحو 6 في المئة من الأراضي اللبنانية، تعيد الدبلوماسية العربية والدولية صياغة حراكها لدعم مؤسسة الجيش، والبحث عن صيغة دولية بديلة مع اقتراب ولاية اليونيفيل من الانتهاء. وتوحي المصادر العسكرية الإسرائيلية بعدم نية الانسحاب من الجنوب لسنوات، فيما تتكرر الاعتداءات على مواقع اليونيفيل، وآخرها قرب كفرشوبا، ما يكشف رغبة إسرائيلية صريحة في إسقاط مفاعيل القرار 1701 وإفراغ منطقة جنوب الليطاني من أي وجود دولي يوثق تجاوزات إسرائيل أو يحد من حريتها العسكرية. كما يعكس شق الطرق العسكرية المستحدثة، مثل محور يحمر الشقيف وصولًا إلى زوطر الشرقية، ومنع عودة الأهالي، مسعى واضحًا لتحويل منطقة "الخط الأصفر" إلى منطقة عازلة. ولكن، في المقابل، تتشكل شبكة أمان عربية ودولية تقودها عواصم معنية كالدوحة وباريس لإعادة الاعتماد على الدولة اللبنانية ومؤسساتها الأمنية الرسمية. وتجلى هذا الحراك في اللقاء القطري الفرنسي في الدوحة بين وزير الدولة محمد الخليفي والمبعوث الفرنسي إلى لبنان جان إيف لودريان، حيث جرى التأكيد المشترك على دعم سيادة لبنان واستقراره، وتنسيق الجهود لدعم المؤسسات الشرعية والجيش. وتوازيًا، جاءت زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي كايا كالاس إلى بيروت لترسخ موقفًا أوروبيًا صريحًا يربط استقرار المنطقة بفرض الدولة سيادتها الكاملة ونزع السلاح، مع إبداء استعداد الاتحاد الأوروبي لتقديم مساعدات عسكرية ولوجستية واجتماعية مباشرة لتمكين الجيش وقوى الأمن الداخلي. فيما برز على المستوى النيابي الداخلي، تحرك لافت تجسد في تسليم مذكرة موثقة من ثمانية وثمانين نائبًا لوزير الخارجية يوسف رجي، تطالب بإعادة النظر في قرار إنهاء مهمة القوة الدولية، تحذيرًا من الفراغ الأمني الجسيم المترتب على انسحابها في ظل استمرار الاحتلال. وتُشكل محطة المفاوضات المقبلة في تامبا الاختبار الحقيقي لمدى قدرة الدولة اللبنانية على تحويل الدعم العربي والأوروبي إلى موقف تفاوضي متماسك. وتتجسد الرؤية الرسمية التي يدافع عنها رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام في التزام لبنان الكامل باتفاق الإطار، والإصرار على أن الجيش اللبناني يؤدي واجباته كاملة في مناطق انتشاره جنوب الليطاني، مع توجيه إصبع الاتهام لإسرائيل بالامتناع عن تنفيذ مندرجات الاتفاق. كما يشدد لبنان الرسمي على أن التفاوض هو الوسيلة الوحيدة لإيقاف العدوان، شريطة حصر قرار الحرب والسلم والسلاح بمؤسسات الدولة والقوانين الدستورية، مع مواصلة المساعي الحثيثة بالتعاون مع عواصم القرار لتأمين صيغة دولية بديلة تمنع الفراغ العسكري بعد رحيل اليونيفيل. وستكون جولة المفاوضات المرتقبة في تامبا مفترق طرق حاسمًا للبنان. فإما أن تنجح الدولة اللبنانية، بدعم عربي ودولي صارم، في تثبيت حضور الجيش وبناء منظومة حماية بديلة تحفظ السيادة والحدود، وإما أن يفرض الأمر الواقع الإسرائيلي شروطه عبر استدامة الاحتلال وتجريد الجنوب من مظلته الدولية. سلام يفتح معركة تثبيت الداخل قبل تامبا في هذا التوقيت تحديدًا، جاء بيان المكتب الإعلامي لرئيس الحكومة نواف سلام ليعيد ترتيب أولويات النقاش الداخلي، بعدما نشطت، منذ عودته من واشنطن، روايات سياسية وإعلامية تنسب إليه مواقف تتصل بقيادة الجيش، والمادة 95 من الدستور، وحاكمية مصرف لبنان، وشركة "إنترا"، بما أوحى بمحاولة فتح جبهات داخلية موازية في لحظة تفاوضية دقيقة. المكتب الإعلامي لسلام نفى بشكل قاطع أن يكون رئيس الحكومة قد وجّه أي انتقاد إلى قيادة الجيش خلال لقاءاته في واشنطن، مؤكّدًا أنّ موقفه الثابت تمثّل في ضرورة دعم قدرات المؤسسة العسكرية وتعزيزها لتمكينها من أداء مهامها، إلى جانب وضع آلية واضحة للتحقّق من تنفيذ اتفاق الإطار بما يضمن التزام جميع الأطراف بتعهّداتها. واللافت هنا أنّ سلام لم يكتفِ بالدفاع عن الجيش، بل نقل النقاش إلى نقطة أكثر حساسية، حين شدّد على أنّه "لا يمكن الحكم على أداء الجيش اللبناني في تنفيذ الاتفاق قبل وضع آلية للتحقّق". وهذه العبارة تكاد تختصر المعضلة اللبنانية كلّها، إذ ترفض الحكومة أن يتحوّل الجيش إلى الطرف الوحيد المطلوب منه إثبات حسن التنفيذ، فيما تبقى إسرائيل حرّة في فرض الوقائع من دون معيار موازٍ لقياس التزامها. وفي الشقّ المتعلق بالمادة 95، نفى سلام ما نُسب إليه حول تغيير طائفة قائد الجيش أو حاكم مصرف لبنان، مؤكدًا أنّه "لم يقل في واشنطن ما لا يقوله في بيروت"، وأنّ موقفه يقوم على التمسّك بتطبيق الدستور، لا فتح باب إعادة توزيع