أعادت مديرية مدينة دمشق القديمة فتح خان أسعد باشا الأثري أمام الجمهور، الأربعاء، معلنة «صرف النظر» عن فكرة استثماره على شكل فندق سياحي، بعد موجة انتقادات واسعة لغياب الشفافية في القرار، تزامناً مع جدل مماثل أثير في مدينة حمص يتعلق بمباشرة شركة قطاع خاص أعمال إعادة تأهيل قصري الزهراوي ومفيد الأمين الأثريين، بهدف استثمار كل منهما كمطعم سياحي. وأثارت مشاريع استثمار خان أسعد باشا في دمشق وقصر الزهراوي في حمص سجالاً في وسائل التواصل حول حماية التراث وحق الجمهور في الوصول إليه، مع تصاعد الاعتراضات على تحويل المباني التاريخية إلى منشآت سياحية. وتقاطعت الاعتراضات على غياب الشفافية في إجراءات الاستثمار، والمخاوف من تغييرات تمس العمارة الأصلية أو تحصر استخدام المعالم بجمهور المنشآت السياحية. ونقلت مصادر إعلامية عن مشاركين في التحرك لحماية الخان تساؤلات بشأن طريقة تداول دفتر الشروط وعدم إتاحته علناً، فيما ربطت تغطيات أخرى التراجع عن المشروع بالضغط الذي مارسه الأهالي والصحافة. وكانت "مديرية دمشق القديمة" قد أعلنت، في السادس من تشرين الأول/أكتوبر الحالي إغلاق خان أسعد باشا مؤقتاً لاستكمال المشاورات حول استخدامه المستقبلي. وفي اليوم التالي، أُعيد افتتاحه بحضور نائب وزير الثقافة سعد نعسان ومسؤولين في الآثار والمحافظة، مع تأكيد إبقائه متاحاً للفعاليات والمجتمع المحلي. وأوضح مدير دمشق القديمة، أمجد الفرخ، أن التشاور مع وزارة الثقافة ومحافظ دمشق انتهى إلى اعتماد وظيفة ثقافية للخان وصرف النظر عن تحويله إلى فندق. وجاء موقف نائب وزير الثقافة ليؤكد استمرار استقبال الأهالي والزوار وإقامة الأنشطة الفنية والثقافية، وربط أي تأهيل للمبنى بحماية هويته والمعايير الدولية لصون التراث. ويتعلق التراجع المعلن بالاستخدام الفندقي، مع استمرار الحديث الرسمي عن استثمار ثقافي يحافظ على طبيعة المكان، ما يبقي السؤال عن شروط إدارته وضمان إتاحته للجمهور مطروحاً. وتفسّر وظيفة الخان الحالية جانباً من الاعتراضات، فهو فضاء للمعارض والأنشطة في قلب سوق البزورية، ومقصد لزوار دمشق القديمة. ومن فعالياته هذا العام معرض "يوم الأرض"، الذي جمع في أيار/مايو 29 الماضي فناناً وفنانة قدّموا خمسين عملاً تشكيلياً. وشملت الأعمال لوحات بألوان الزيت والأكريليك، وتماثيل تناولت الارتباط بالأرض الفلسطينية وتجربة غزة. ويعني تغيير هذه الوظيفة المساس بعلاقة قائمة بين الفنانين والجمهور والمكان الذي يستقبل أعمالهم، إلى جانب الأسئلة المتعلقة بحماية البناء نفسه. وشُيّد الخان بأمر والي دمشق أسعد باشا العظم في منتصف القرن الثامن عشر، وتؤرّخ الكتابة فوق مدخله بناءه بسنة 1166 هجرية، الموافقة لـ 1752 ميلادية وفق المراجع الأثرية. وتبلغ مساحته نحو 2500 متر مربع، وتتوزع غرفه ومخازنه على طابقين حول باحة تتوسطها بحرة، وتعلوها القباب وتحيط بها واجهات الحجر الأبيض والأسود. وقد استقبل القوافل والتجار، قبل استخدامه مستودعات للبضائع، ثم استملاكه لمصلحة وزارة الثقافة وترميمه وتأهيله للأنشطة الثقافية والسياحية. وحضر هذا التاريخ في التداول أيضاً، إذ أعيد نشر شهادات رحالة عن تجارة الخان وغرفه ومستودعاته. وتستعيد هذه الشهادات دوراً اقتصادياً قديماً للمكان، بما يجعل النقاش الحالي متعلقاً بطبيعة الاستخدام الجديد وتأثيره في العمارة وإمكانية دخول الجمهور، ومدى ارتباطه بحياة المدينة المحيطة به. وفي حمص، اتخذ السجال شكلاً أكثر اتصالاً بالأعمال المنفذة، مع تداول مقاطع مصوّرة من داخل قصر الزهراوي، ومخاوف من تأثير أعمال البناء في ملامحه الأصلية. وذكرت مصادر إعلامية أن شركة خاصة تتولى أعمالاً في القصر ضمن ملف تأهيله واستثماره سياحياً، فيما أثارت الأشغال تساؤلات عن الرقابة الفنية وخبرة الجهات المنفذة في ترميم المباني الأثرية. وأصدرت عائلة الزهراوي بياناً احتجاجياً اعتبرت فيه أن ما يجري يتجاوز الترميم إلى تغيير معالم البناء، وطالبت بتوضيح طبيعة المشروع. واستند اعتراضها إلى أن استملاك القصر جرى لغرض عام يتمثل في تحويله إلى متحف للتقاليد الشعبية، لتطرح مسألة توافق استثماره تجارياً مع الغاية التي انتقلت بموجبها ملكيته إلى الدولة. وهي مسألة دخلت أيضاً في التوضيحات الرسمية بشأن الإشكالات القانونية للملف. وقارنت العائلة بين الرقابة الصارمة التي خضعت لها أعمال ترميم المصلى الملاصق للقصر على نفقتها في العام 2023، والغموض المحيط بالأشغال الحالية. وقدمت إلى وزارة الثقافة مبادرة لتولي إدارة القصر وتأهيله وتحويله إلى مكتبة عمومية على نفقتها، تحت إشراف الوزارة، مع اشتراط الحفاظ على حالته الأصلية. وبذلك تضمّن الاعتراض اقتراحاً لاستخدام ثقافي بديل، يحدد وجهة للمكان بعد وقف الأعمال المختلف عليها. ويعود القسم المملوكي من قصر الزهراوي، في