في بلد تتداخل فيه السياسة بالخدمات اليومية، ويختلط فيه الحق بالمكرمة، يبرز مفهوم "اقتصاد الحاجة" كأحد أبرز وجوه العلاقة غير المتوازنة بين المواطن والسلطة، حيث تتحول الوظيفة والخدمة والحق الاجتماعي إلى أدوات نفوذ وولاء، بدل أن تكون جزءًا طبيعيًا من علاقة المواطن بالدولة. وفي مقابلة ضمن برنامج "3:15 إقتصاد" عبر شاشة "RED TV"، شرح الكاتب والباحث الاقتصادي نضال خالد أن اقتصاد الحاجة لا يعني تدنّي الدخل فحسب، بل يبدأ عندما تتحول الحاجة إلى شكل من أشكال العلاقة بين المواطن والسلطة السياسية. وأوضح أن هذا الاقتصاد يتكرّس عندما تصبح حاجة المواطن وسيلة نفوذ بيد الجهة التي تؤمّنها له، بحيث لا يعود الحصول على الخدمة أو الوظيفة قائمًا على الحق، بل على العلاقة بالوسيط أو المرجعية السياسية. وقال خالد إن التوظيف يُعد حقًا للمواطن عندما يتم من دون وسيط، أما عندما يمر عبر وسيط سياسي أو شخصي، فإنه يتحول من حق إلى مكرمة، بما يعكس خللًا بنيويًا في العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. وأشار إلى أن الإنفاق الحكومي في لبنان، منذ اتفاق الطائف، لم يُترجم إلى بناء مؤسسات تربط المواطن بالدولة، بل ساهم، برأيه، في جعل المواطن أسيرًا للزعيم السياسي، نتيجة اعتماد الوصول إلى الخدمات على شبكات النفوذ والعلاقات. ولفت إلى أنه عندما لا تكون العلاقة بين المواطن والدولة سليمة، تصبح الخدمات محصورة بوسيط أو بصاحب نفوذ في منطقة معيّنة، ما يرسّخ التفاوت بين المواطنين ويحوّل الحق العام إلى امتياز خاص. وفي السياق نفسه، اعتبر خالد أن هناك مجموعة كرّست مفهومًا للبنان يقوم على تهميش الأطراف وإهمال بعض القطاعات الإنتاجية، ما ساهم في تعزيز الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية وخلق مزيد من الارتهان للحاجة. وقارن خالد بين طبيعة الحملات الانتخابية في المجتمعات الغربية والواقع اللبناني، موضحًا أن الحملات في المجتمعات الغربية ترتبط بالشفافية، ويستند المرشح فيها إلى مقومات سياسية واجتماعية حتى في حال محدودية إمكاناته المادية، فيما تبقى المقومات المادية في لبنان العامل الأبرز لدى أي مرشح. ورأى أن هذه المعادلة تنعكس مباشرة على سلوك المواطن، إذ يربط حصوله على الخدمات بالولاء والطاعة العمياء لمرجعيات سياسية أو دينية معيّنة، فيتحول حقه في الدولة إلى علاقة تبعية مع الجهة التي تؤمّن له حاجاته. وأضاف أن المواطن، عندما يوجّه انتقادًا إلى أي جهة سياسية، قد يتعرّض للنبذ داخل المجتمع، في مؤشر إلى أن العلاقة بين السياسة والخدمة لم تعد مجرد مسألة اقتصادية، بل تحولت إلى منظومة اجتماعية كاملة تؤثر في حرية الفرد وخياراته. ويكشف هذا الطرح أن أزمة "اقتصاد الحاجة" في لبنان لا تتصل فقط بمستوى المعيشة أو بقدرة المواطن الشرائية، بل بجوهر العلاقة بين المواطن والدولة، حيث يصبح بناء المؤسسات واستعادة الحقوق من الوسطاء شرطًا أساسيًا للخروج من دائرة الولاء مقابل الخدمة.