واجه لبنان لسنوات طويلة ضعفًا في تدابير مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب، فالإجراءات القانونية - القضائية المُتخذة بحق المُلاحقين لم تكن كافية كما يجب، ولم تساعد في استعادة الأموال. هذا ما نتج عنه إدراج لبنان على اللائحة الرمادية، لأنه ببساطة لم ينفذ المعايير الدولية المطلوبة منه. عقب إدراج لبنان على اللائحة الرمادية، طُلب منه التزامات عديدة للخروج منها، وأهمها زيادة جدية التحقيقات والملاحقات القضائية وإصدار الأحكام المبرمة المتعلقة بغسيل الأموال بما يتماشى مع المخاطر المحددة. تفعيل جدية الملاحقات المالية لذلك، نظمت محكمة التمييز بالتعاون مع هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان ومديرية قوى الأمن الداخلي ورشة عمل اليوم الخميس 10 تشرين الأول أُعلن فيها عن سلسلة من الإجراءات القانونية التي اعتمدها القضاء اللبناني مؤخرًا بالتعاون مع الأجهزة الأمنية المعنية من أجل الحد من الجرائم المالية العابرة للحدود. أولى خطوات تعزيز فعالية التحقيقات المالية تحتاج إلى تعاون مشترك بين ثلاث جهات أساسية: هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان، وحدات قوى الأمن الداخلي المسؤولة عن جمع المعلومات لتوقيف المطلوبين، والجهات القضائية لإتمام التحقيقات وإصدار الأحكام. يعني أنها حلقة مترابطة قائمة على التعاون والتنسيق. في هذا السياق، أعلن المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء رائد عبدلله عن إعداد مكتبٍ متخصص في شعبة المعلومات ليكون شريان الاستعلام الأمني والاستخباراتي لمكافحة الجرائم المالية والأموال المشبوهة وجمع المعلومات بشكل فعال. وأوضح اللواء عبدلله أن أهمية المكتب تكمن في تجميع كل المعلومات المتعلقة بالإرهاب والجرائم العابرة للحدود، مما يساهم في منع استغلال قنوات التحويل الرسمية وغير الرسمية لارتكاب الجرائم، مؤكدًا أن تعزيز فعالية الملاحقات القضائية يستدعي شراكة فعلية مع الجهات القضائية من أجل تبادل المعلومات ليصبح الهدف واحدًا وهو حماية القطاع المالي وحذف لبنان من اللائحة الرمادية. كما لفت إلى أن آلية العمل المعتمدة اليوم في قوى الأمن الداخلي هي ثمرة الجهود المبذولة منذ العام 2016. اعتبر اللواء عبدلله أن مديرية قوى الأمن الداخلي تقدم دورًا أساسيًا في مكافحة تبييض الأموال، وفي تطبيق خطة العمل التي أقرتها مجموعة العمل الدولية "FATF"، وأن وحدات التحقيق الأمنية تنكب على استكمال كل البنود المطلوبة منها بوتيرة متسارعة، بهدف استعادة ثقة المؤسسات المالية والدولية. وأعلن عن اعتماد مديرية قوى الأمن الداخلي لمنهج تدريبي حديث متخصص في التحقيقات المالية سيتم المباشرة فيه في المرحلة المقبلة، إضافة إلى إطلاق تدريبات مشتركة مع الجهات القضائية والجمركية والضريبية لتوحيد العمل. بدوره، أطلق النائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج سلسلة من الإجراءات والتعاميم التي اتخذتها النيابة العامة التمييزية لتعزيز التحقيقات القضائية في الجرائم المالية. وأكد أن التمييزية تحولت إلى مرجع مركزي لجميع الملاحقات المالية من خلال إشراف قضاة التمييزية على جميع هذه الملفات وعلى كل الجرائم التي ينتج عنها مردود مالي غير شرعي. أمام الحاضرين، عرض القاضي الحاج فكرة يساهم تطبيقها في استرجاع ثقة المجتمع الدولي. تقوم على إنشاء محفظة إلكترونية لحجز العمولات الرقمية المستخدمة في غسيل الأموال، وتخضع لرقابة قضائية، وبعد انتهاء التحقيقات وإصدار الأحكام المبرمة تتم مصادرة هذه الأموال لصالح خزينة الدولة. إلا أن ما عرضه الحاج لم يجد له أي إطار تشريعي وقانوني لتطبيقه بحسب قوله. لكنه اعتبر أن واجب القضاء لمكافحة الجرائم المالية ابتكار الحلول من أجل محو آثار أي جريمة. وأعلن الحاج عن قيامه بتعيين محامين عامين في جميع محافظات لبنان لمتابعة كل الجرائم المالية على الأراضي اللبنانية، على أن تكون مهمتهم تدوين جميع المعلومات المتعلقة بهذه الجرائم. وحرصًا على التقصي ومراقبة الأسواق المالية، كلّف الحاج الوحدة المختصة في شعبة المعلومات والمديرية العامة لأمن الدولة التدقيق في كل نشاط يتعلق بالعمولات الرقمية والافتراضية، والتقصي من شرعيتها، وفتح سجل خاص لدى شعبة المعلومات لتدوين الحركات المالية.