لا يُنظر إلى دعوة وزير المالية الإسرائيلي وزعيم "الصهيونية الدينية"، بتسلئيل سموتريتش، إلى فرض "السيادة الكاملة والدائمة" على الأراضي التي سيطر عليها الجيش الإسرائيلي في لبنان وغزة نتيجة الحرب التي اندلعت بعد 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، على أنها مجرد تصريحات انتخابية، إذ تعكس توجّهاً أيديولوجياً استيطانياً وعنصرياً يُترجم على الأرض في الضفة الغربية وقطاع غزة، فيما يسعى اليمين المتطرف إلى تكريسه كذلك في لبنان وسوريا تحت عناوين وذرائع أمنية ووجودية. ففي كلمة ألقاها خلال مؤتمر "المحافظين القوميين" في القدس مؤخراً، وضع سموتريتش دعوته إلى فرض "سيادة كاملة ودائمة" على الأراضي التي تحتلها إسرائيل في غزة ولبنان، في إطار "ثمن الهزيمة لدى الأعداء". ولخّصت صحيفة "يديعوت أحرونوت" تصريحاته بعنوان: "ليس غزة فقط: الخطوة التي يطالب بها سموتريتش تُنفذ أيضاً في لبنان"، فيما اعتبرت مواقع عبرية أخرى أن كلامه يمثل سرداً لخطته بشأن فرض السيطرة الدائمة على أراضٍ لبنانية احتلتها إسرائيل خلال الحرب الأخيرة. ومع أن زعيم "الصهيونية الدينية" أيديولوجي، وما يصدر عنه نابع من فكره المتطرف، فإنه حاول تسويغ طرحه بشأن فرض "السيادة" بدوافع "الردع" و"الغنيمة" و"الواقعية"، مشيراً إلى أنه يسعى إلى تبني مقاربة عسكرية-سياسية جديدة وقديمة، زعم أنها كانت مقبولة قبل أن تفرض "الليبرالية" على الدول القومية "حظراً مطلقاً" على اكتساب "القوة" من خلال الحرب. وفي ذلك، لا يوجّه سموتريتش كلامه خلال المؤتمر، الذي نُظّم بالتعاون مع "معهد هرتسل" و"مؤسسة إدموند باراك" من واشنطن، إلى قاعدته اليمينية المتطرفة فقط، بل أيضاً إلى اليمين الأميركي. ففكر الوزير الإسرائيلي ومنطلقاته الاستيطانية يجمعان بين تصور أيديولوجي للقوة، وذرائع أمنية، وانتهازية سياسية في توظيف الحروب لإعادة تعريف حدود السيطرة والنفوذ في المنطقة، بما يخدم إسرائيل ضمن مسار تراكمي يتسارع مع كل جولة حرب. ويتجلى ذلك، في دعوته إلى الابتعاد عن النهج الليبرالي الدولي الحديث، والعودة إلى مفهوم مفاده أن "الطرف الذي بدأ الحرب وخسرها، سيفقد أراضي لصالح الطرف المنتصر". ومن هذا المنطلق، برّر أيضاً دعوته إلى فرض "السيادة الدائمة" على مناطق يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي حالياً في غزة ولبنان، بدعوى "إحراق ثمن الخسارة في وعي الأعداء" وضمان "ردع طويل الأمد" يخدم، وفق قوله، حلفاء تل أبيب أيضاً. ولا تبدو الجغرافيا، وفق هذا التصور، نتيجةً ثابتة للحرب بقدر ما تصبح إحدى ساحات نتائجها؛ فالهزيمة، في منطق سموتريتش، لا تقتصر على الخسائر العسكرية والسياسية، وإنما يمكن أن تترجم إلى تغيير في شكل السيطرة على الأرض. وهنا تكتسب دعوته بشأن غزة ولبنان دلالتها الأوسع، بوصفها طرحاً يتجاوز فكرة السيطرة العسكرية المؤقتة إلى محاولة ربط نتائج الحرب بترتيبات جغرافية يُراد لها أن تستمر بوصفها "الحلقة الأخيرة"! واللافت أن إبداء زعيم "الصهيونية الدينية" دعمه لمفهوم فرض السيطرة الإسرائيلية التامة على الأرض كنتيجة لأي حرب تخوضها إسرائيل، بما فيها لبنان وغزة، جاء بعد ساعات من إطلاقه تصريحاً أثار غضباً مصرياً، قال فيه: "إذا هاجمت مصر إسرائيل، فلن تكون هناك سيناء، وهذا ثمن الحرب". والحال أن مفهوم سموتريتش لـ"السيادة الكاملة" على أراضٍ في لبنان وغزة وغيرهما، يتجاوز حدود ومعنى السيطرة العسكرية والأمنية، إلى فرض استيطان شامل فيها، على غرار ما يجري في الضفة الغربية. هذا إن علمنا أن سموتريتش أحد الشخصيات التي تعمل من وراء الكواليس لدعم اقتحام مجموعات استيطانية عمق الأراضي اللبنانية والسورية في الأشهر الماضية، وهو ما أكدته تقارير تلفزيونية عبرية، بل دعا صراحةً إلى إنشاء مستوطنات فيها بأكثر من مناسبة. وخلال المؤتمر، لم ينسَ سموتريتش أن يقدم رؤية سياسية وأمنية قائمة على أيديولوجيته العنصرية والمتطرفة، فدعا إلى إنشاء آلية للهجرة الطوعية لسكان قطاع غزة إلى الدول العربية، معتبراً أن إنهاء الحرب يجب أن يتضمن حلاً إنسانياً وسياسياً لإعادة توطين اللاجئين في دول عربية وإسلامية، تشترك في اللغة والدين والثقافة مع سكان القطاع. ورفض زعيم "الصهيونية الدينية" وصف تهجير سكان القطاع إلى دول عربية وإسلامية بـ"العنصرية"، بزعم أنه مفهوم قومي "يحافظ على الاستقرار! ولا يخفي سموتريتش جوهر أيديولوجيته المتطرفة ويستعرضها بوضوح، إذ هاجم فكرة الهوية الفلسطينية من أساسها، واصفاً إياها بأنها "خرافة اختُلقت في بداية القرن الماضي كحركة مضادة للقومية اليهودية"، بل ويصر على تجنب استخدام تسمية "الفلسطينيين" ويصفهم بأنهم "عرب جاؤوا من دول المنطقة لمحو اليهود"، وفق زعمه، وهي دعاية يحاول فيها سموتريتش نسف حق الفلسطينيين، بكل مكوناتهم الدينية والاجتماعية، وطمس علاقتهم التاريخية والأصيلة بأرضهم. الضفة..