اختار رئيس الجمهورية جوزاف عون ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر ورفيقيه ليعيد رسم معادلة حماية الجنوب، في موقف يتجاوز المناسبة ليصيب مباشرة جوهر النقاش القائم حول السلاح ودور الدولة في المرحلة المقبلة. وأكد عون أن الإمام الصدر رفض أن يبقى الجنوب "منطقة منسية" أو ورقة تفاوض، وكان يعتبر أن السلاح الذي يحمي الأرض هو سلاح الدولة الشرعي وحدها، وأن الأمن مسؤولية وطنية لا يمكن اختزالها بفريق أو جهة. وباستعادته هذا الموقف في اللحظة السياسية الراهنة، وضع عون حصرية السلاح داخل خطاب موجّه إلى الجنوب وبيئته، لا في إطار دستوري مجرد. وهو شدد على التزام لبنان بسط سلطة الجيش على كامل الأراضي اللبنانية وتنفيذ القرار 1701، بالتوازي مع استمرار الاعتداءات الإسرائيلية وخروق وقف الأعمال العدائية. وتكمن دلالة كلام عون في توقيته، إذ يأتي وسط تصعيد عسكري إسرائيلي جنوباً، وخلاف داخلي حول مستقبل سلاح "حزب الله"، ومفاوضات تتناول الانسحاب الإسرائيلي وترتيبات ما بعد انتهاء مهمة "اليونيفيل". كما يوجّه الموقف رسالة واضحة إلى الخارج مفادها أن الرئاسة لا تطلب إنهاء الاعتداءات الإسرائيلية بمعزل عن استعادة الدولة قرارها الأمني، بل تطرح مسارين متلازمين: انسحاب إسرائيل وبسط الجيش سلطته وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية. وفي الوقت نفسه، يبدو أن عون حرص على تجنب لغة المواجهة الداخلية، فربط حماية الجنوب بـ"منعة أهله ومنعة الدولة معاً"، في محاولة للجمع بين احتضان البيئة الجنوبية وعدم التراجع عن مشروع حصرية السلاح. وبذلك، يكون رئيس الجمهورية قد استعاد إرث الإمام الصدر لتثبيت معادلة سياسية واضحة: الجنوب لا يُترك لإسرائيل، لكنه أيضاً لا يبقى خارج سلطة الدولة، وحمايته لا يمكن أن تستقر إلا حين يصبح الجيش المرجعية الوحيدة للسلاح والأمن والدفاع.