لكن قراءة نتائج «طوفان الأقصى» لا يمكن اختزالها في حجم الدمار والخسائر التي خلّفتها الحرب الإسرائيلية، إذ إن المعركة كشفت في المقابل عن قدرة المقاومة الفلسطينية على الصمود وإفشال الأهداف التي أعلنتها إسرائيل، رغم الحرب الواسعة على غزة وما رافقها من قتل وتهجير وتدمير. كما امتدت المواجهة إلى لبنان وسوريا وإيران، في ظل سعي إسرائيل إلى توسيع نطاق عملياتها العسكرية وفرض وقائع جديدة في المنطقة. ومنذ اليوم التالي لـ«طوفان الأقصى»، دخل حزب الله على خط المواجهة عبر جبهة الإسناد من جنوب لبنان، معلناً أن هدفها دعم غزة والضغط على إسرائيل لوقف حربها. ومع تصاعد المواجهة، تحولت الجبهة اللبنانية إلى حرب واسعة، استهدفت خلالها إسرائيل مناطق وقرى جنوبية واغتالت عدداً من قادة المقاومة، وفي مقدمتهم السيد حسن نصرالله، وتسببت بدمار واسع، إلا أن الحزب أعلن في المقابل أن المقاومة تمكنت من الصمود والحفاظ على قدرتها على المواجهة، وأن إسرائيل لم تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة في إنهاء المقاومة. وفي السياق نفسه، لم تبقَ إيران بمنأى عن تداعيات الحرب الإقليمية، إذ تحولت المواجهة تدريجياً إلى صراع أوسع شملها بصورة مباشرة، بعدما كانت طوال سنوات طرفاً رئيسياً في دعم حركات وفصائل المقاومة في المنطقة. ومع انتقال الضربات إلى الأراضي الإيرانية، اتسعت المواجهة لتأخذ بعداً إقليمياً ودولياً، في ظل الضغوط الأميركية والإسرائيلية الهادفة إلى فرض شروط سياسية وأمنية واقتصادية على طهران. وبذلك، لم تعد تداعيات «طوفان الأقصى» محصورة في غزة، بل تحولت إلى مواجهة متعددة الجبهات أعادت رسم طبيعة الصراع في المنطقة. وفي لبنان، جاءت حرب الإسناد باعتبارها جزءاً من هذا المسار، فيما واجه البلد كلفة بشرية ومادية كبيرة نتيجة اتساع الحرب والاعتداءات الإسرائيلية، بالتوازي مع استمرار الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من الأراضي اللبنانية. ورغم حجم الخسائر، ترى قوى المقاومة أن معيار تقييم المواجهة لا يقتصر على حجم الدمار أو الخسائر البشرية، بل يشمل أيضاً مدى قدرة إسرائيل على تحقيق أهدافها المعلنة. ومن هذا المنظور، تؤكد المقاومة أن استمرار وجودها وقدرتها على إعادة تنظيم صفوفها وامتلاك وسائل الرد يشكل بحد ذاته دليلاً على فشل الهدف الإسرائيلي المعلن بالقضاء عليها وإنهاء قدرتها على المواجهة. كما أن السنوات التي تلت «طوفان الأقصى» أظهرت أن المواجهة لم تكن حرباً قصيرة أو محدودة، بل صراعاً مفتوحاً امتد من غزة إلى لبنان وسوريا وإيران، وفرض على المنطقة بأكملها تحديات أمنية وسياسية واقتصادية كبيرة. وفي هذا السياق، تواصل المقاومة التأكيد أن وقف الاعتداءات والاحتلال والانسحاب من الأراضي المحتلة يجب أن تكون مقدمات أساسية لأي تسوية، قبل الانتقال إلى بحث الملفات الداخلية المتعلقة بالسلاح ودور الدولة. وعليه، فإن النقاش حول مستقبل لبنان لا ينبغي أن ينفصل عن واقع الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة، ولا عن الحاجة إلى حماية البلاد ومنع فرض الوقائع بالقوة. وتبقى مسألة العلاقة بين الدولة والمقاومة وسلاحها جزءاً من نقاش وطني أوسع، يرتبط بكيفية تحقيق الأمن والسيادة وحماية لبنان في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية، مع اختلاف القوى اللبنانية في مقاربتها لهذه المسألة.