يقدّم معرض "بين سطور الدستور"، الذي تستضيفه المكتبة الوطنية في الصنائع (بيروت)، قراءة تاريخية متعمقة في مسيرة الدستور اللبناني منذ اعتماده أو نشأته عام 1926، متتبّعا مراحل كتابته ونشأته وتطوّره، من ولادة لبنان الكبير، والتعديلات التي طرأت عليه في محطات مختلفة استجابة للتحولات والتطورات المحلية والإقليمية التي شهدها لبنان والمنطقة على مدى قرن، وخصوصا في مرحلة الاستقلال واتفاق الطائف. "أما لماذا هذا المعرض؟ فيقول وزير الثقافة غسان سلامة "في حقيقة الأمر فإن هذه الوزارة قد آلت على نفسها وهي مؤتمنة على الذاكرة الوطنية أن تنظر إلى الأحداث المفصلية في تاريخنا وتنشر الوعي حولها. لذلك نحن استذكرنا بداية الحرب الأهلية بحضور دولة الرئيس في معرض مخصص للحرب التي أدمتنا، ولذلك نحن استذكرنا الذكرى الخامسة لانفجار المرفأ وكان دولة الرئيس وعدد من الزملاء موجودين أيضا لأنه حدث أثار الشجون وقتل المئات من الناس، اليوم نستذكر الدستور اللبناني لنفس السبب". وتظهر الوقائع أن الدستور اللبناني لم ينسخ الدستور الفرنسي(وان كان كتاب الدستور من المقربين لفرنسا)، بعكس ما قد يتبادر فوراً إلى الأذهان. فبينما كانت فرنسا تعيش نظاماً برلمانياً، أتى النظام اللبناني برلمانياً بالاسم، رئاسياً في الواقع. وفي هذا السياق قال رئيس الحكومة نواف سلام في افتتاح المعرض: وُضع دستور 1926 في زمن الانتداب، واستفاد واضعوه بوضوح من التقاليد الدستورية الفرنسية، ولا سيما من النظام البرلماني للجمهورية الثالثة: الفصل بين السلطات، والمسؤولية الوزارية، ودور البرلمان، وضمان الحريات العامة.كما دخلت إلى صلب النص مبادئ كانت في قلب الفكر الليبرالي الفرنسي: حرية الضمير، وحرية الرأي، وحرية الاجتماع، والمساواة أمام القانون.لكن خلافاً لما يعتقده البعض، فلبنان لم يستورد دستوراً جاهزاً.أخذ من التجربة الفرنسية، وأضاف إليها تجربته الخاصة.وهنا تحديداً تظهر خصوصية دستورنا. لقد كان عليه منذ البداية أن يجيب عن سؤال شديد الصعوبة: كيف نبني دولة حديثة في مجتمع متعدد الطوائف والانتماءات؟" وقال سلامة "لقد لعب الفرنسيون ضمن أيام الانتداب سنة 26 بعض الدور في صياغة هذا الدستور لكن الصياغة الحقيقية صاغها لبنانيون وسُئل رأي نحو 300 من اللبنانيين الآخرين. لكن من غريب الأمور أن الجمهورية الثالثة الفرنسية التي كانت قائمة عند ذلك وكانت قد أنشأت نظاما برلمانيا متطرفا في برلمانيته، عندما جاءت إلى لبنان على العكس مما أقرأ هنا وهناك، لم تصدر دستورها إلى لبنان، فقد أنشأت نظاما يشبه نظام الجمهورية الخامسة ودستورها في 1958، ثم جاء اتفاق الطائف وأعاد الفكرة البرلمانية بينما كان النظام الذي أنشئ في 1926 رئاسيا إلى حد ما. وهذا ينفي الفكرة التي تقول إن ما فعله الفرنسيون في 1926 هو النقل الدستوري، هذا الأمر غير صحيح". من اللافتات المنشورة في المعرض "إنه في سياق إعادة رسم خريطة المشرق العربي بعد انهيار السلطنة العثمانية، أعلن عام 1910 تأسيس دولة لبنان الكبير، ولم تكن الولادة قراراً فرنسيا محضا. بل تتويجاً لنضال سياسي حثيث قاده زعماء لبنانيون في الداخل والمهجر. لإيصال رؤيتهم حول مستقبل لبنان إلى مؤتمر الصلح في باريس بين 1919 و1920، وبالتزامن مع اعلان لبنان الكبير كانت جريدة لسان الحال تنشر صورة العلم اللبناني. ويضيء المعرض كذلك على الأشخاص الذين كان لهم دور بارز في صياغته، وفي مسار الحفاظ عليه وتوثيقه ونشره، بما يتيح للزائر التعرّف إلى الأسماء والمؤسسات التي أسهمت في تشكيل الذاكرة الدستورية اللبنانية وإبقائها متاحة للأجيال المتعاقبة. ويجمع المعرض مواد ووثائق تاريخية جرى العمل على جمعها وتوثيقها بالتعاون مع عدد من الشركاء من وسائل إعلامية وثقافية ودور نشر ومراكز أبحاث وجامعات في لبنان وفرنسا، في إطار جهد مشترك لاستعادة مصادر متفرقة تسهم في رواية تاريخ الدستور من زوايا متعددة. وتشمل المواد المعروضة أرشيفات وصورا(أوغست اديب باشا، ميشال شيحا) ومقالات صحافية ووثائق ونصوصا تاريخية، يعود بعضها إلى مراحل مفصلية من تاريخ لبنان الدستوري، فيما تُعرض بعض هذه المواد أمام الجمهور للمرة الأولى. ومن خلال هذه المجموعة المتنوعة من المصادر، يسعى المعرض إلى وضع الدستور في سياقه التاريخي، وإظهار العلاقة بين النص الدستوري والتحولات السياسية والاجتماعية والتاريخية التي رافقت لبنان منذ تأسيس دولته الحديثة. كما يأتي معرض "بين سطور الدستور" كدعوة إلى التعرّف على هذا النص الذي ينظّم الحياة السياسية للبنانيين ويحدد أسس علاقتهم بالدولة. أكد سلامة أن "هدف المعرض ليس الاحتفال بورق قديم، بل نشر الثقافة الدستورية بين الشباب، وتذكيرهم بأن الدولة الراسية على دستور عمره مئة عام هي وحدها الضامن لحرياتهم وحقوقهم"، لافتا إلى أن "أكثر من نصف الوثائق المعروضة ت