ثلاثة عناوين في يوم واحد. عناوين تختصر اللامعقولية التي تتحكم بهؤلاء الذين عبثوا بمصائرنا على امتداد عقود. فهم باستطاعهم قول أي شيء ونقيضه في آن واحد، من غير أن يرف لهم جفن. وحال هذه العناوين هي ذاتها على نحو يومي في لغة إعلامنا وسياساتنا. ثلاثة عناوين تختزل ما تتفوه به "الممانعة" منذ أربعين عاماً، ثمنها ليس أقل من الإطاحة بمصائر شعوب ودول، وحتى أجيال لم تولد بعد. فلنتأملها: - الحرس الثوري: "طوفان الأقصى" غيرت المعادلات لصالح محور المقاومة. - حزب الله في ذكرى "طوفان الأقصى": الظروف ليست أقدارًا عصيّةً على التغيير. - غزة بعد ثلاث سنوات: الإبادة الصامتة. طبعاً، من غير المعقول ألّا ينتبه قائلها وناشرها إلى أن كل عنوان يمحو الآخر. خصوصاً وأن جمع إبادة غزة مع "معادلات" الحرس الثوري الانتصارية، و"أقدار" حزب الله التي تشبه "الخلل التكتيكي"، حصيلته ليست أقل من نكبة تتكدس فوق نكبات مستمرة. البدائع التي ينطق بها قادة "المحور" تفوق قدرتنا على الاستيعاب. شعر جهنمي إذا صح التعبير. وبهذا الشعر الجامح الخيال "يحتفي" المحور بالذكرى الثالثة على ابتداء المذبحة في غزة، التي اعتبرها أحد قادة حماس "خسائر جانبية" طالما أنه هو وأصحابه ما زالوا على قيد الحياة ولهم السلطة بلا منافس على ما تبقى من سكان تعساء وأرض يباب. إنه احتفاء بالذكرى الثالثة على انطلاق إسنادات حزب الله، الذي لا تهمه الجغرافيا ولا احتلال مئة قرية ولا كل الأهوال التي أصابت لبنان، طالما أنه ما زال يستطيع تخبئة أسلحته وتوزيع الدولارات المهربة وترهيب دولة وتغذية كابوس اللبنانيين، ويبتهج بما أسماه نعيم قاسم "اسطورة الصمود". ما يبعث على القنوط، أن الذين يقرأون العناوين الثلاثة وينتشون بها، هم شطر كبير من جمهور يشبه تلك السيدة الجنوبية التي كانت مزهوة بأخبار التضخم والمعاناة الاقتصادية التي يعاني منها الأميركيون والأوروبيون، حسب قولها، من غير أدنى انتباه إلى حالها وسائر أهل لبنان وغزة وإيران، مرددة كلام نعيم قاسم بنبرة خشبية: الحرب جولات. هنا بالضبط تكمن وظيفة لغة الممانعة وفعاليتها: ليس مطلوباً منها لا أن تصوّر الواقع ولا أن تشرحه ولا أن تعتبر منه، بل أن تمنعنا من رؤيته كلياً. فكلما اتسعت الفجوة بين الكلام وما يحدث على الأرض، ازدادت الحاجة إلى العناوين الكبيرة الغامضة: النصر، الصمود، المعادلات، الردع، التحول الاستراتيجي، وحدة الساحات، والظروف. كلمات تصلح لكل شيء، ولا تفسّر شيئاً. بالطبع، لا حاجة هنا إلى تفنيد خطاب الممانعة بقدر حاجتنا إلى قراءته كما هو. يكفي أحياناً أن نضع عناوينه الثلاثة الواردة أعلاه جنباً إلى جنب، وأن نتركها تقول بعضها عن بعض. عندها نكتشف أن أكثر ما تفضحه الممانعة ليس أخطاؤها في وصف الواقع، بل قدرتها المذهلة على إعلان الانتصار في العنوان نفسه الذي يخبرنا بأن كل شيء قد تحطم.تحتفل بانتصاراتها وتخبرنا عن الإبادة. في هذه اللغة، على الذين يُبادون أن يكونوا ممتنين، لأن أحداً قرر بالنيابة عنهم أن تضحياتهم ضرورية (ولو كانت النتيجة هزيمة ساحقة). وبدلاً من السؤال البسيط: ماذا فعلتم بنا؟ يصبح السؤال: هل ما زلتم تؤمنون بالمقاومة؟ وبدلاً من محاسبة من اتخذ قرار الحرب، يجري امتحان ولاء الضحايا. هل يحق لهم الاعتراض، أم أن اعتراضهم خدمة للعدو؟ الأخطر أن هذه اللغة لا تكتفي بتزييف الحاضر، بل تعيد ترتيب الماضي أيضاً. كل هزيمة تصبح تمهيداً لانتصار مقبل، وكل خسارة تصير "درساً استراتيجياً"، وكل كارثة مجرد ظروف ستتغير. لذا، ربما يكون أكثر ما يدهش في هذه العناوين الثلاثة أنها تقول الحقيقة كلها: "المعادلات" انتصرت، و"الأقدار" لا راد لها، وغزة برسم الضمير العالمي. وهذه ليست مفارقة لغوية فحسب؛ إنها خلاصة مشروع كامل يستطيع أن يحتفل بانتصاره في اللحظة نفسها التي يطلب فيها من ضحاياه الابتهاج في جنازتهم.