فتح القرار الأميركي رفع القيود عن تصدير السلاح إلى سوريا الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة بناء الجيش السوري، وسط تنافس دولي وإقليمي على تحديد قدراته العسكرية ومهماته المستقبلية. وبين سعي دمشق إلى استعادة قوتها الدفاعية، وتمسّك إسرائيل بتفوقها الجوي، وتنامي الدورين التركي والروسي، تبرز تساؤلات عن حدود القرار العسكري السوري واحتمالات توظيف الجيش في صراعات المنطقة. ويكتسب التحول الأميركي أهمية إضافية مع تزايد الحديث عن أدوار سورية محتملة في لبنان واليمن، ما يربط مستقبل تسليح الجيش بطبيعة المهمات التي قد يُطلب منه تنفيذها. واشنطن تفتح باب التسليح بشروطها ألغت وزارة الخارجية الأميركية سياسة الرفض الشامل لطلبات تصدير المعدات والخدمات الدفاعية إلى سوريا، واستبدلتها بنظام يتيح دراسة كل طلب على حدة، بموجب قرار دخل حيز التنفيذ في الأول من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بعد رفع القيود المتبقية على مبيعات السلاح وتمويلها في أيلول/سبتمبر الماضي. ويتيح التغيير إمكان تصدير الأسلحة ومعدات التدريب والصيانة والتجهيزات العسكرية، مع احتفاظ واشنطن بسلطة الموافقة على الطلبات أو رفضها. كما تمتلك أدوات للتأثير في بعض صفقات التسليح الأجنبية، عبر ضوابط إعادة تصدير المعدات الأميركية والقيود المرتبطة بنقل الأسلحة المتقدمة إلى سوريا. وتتضح الأولويات الأميركية في تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي ربط رفع تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب بتعاون حكومة الرئيس أحمد الشرع في مواجهة شبكات "داعش" و"القاعدة" و"حزب الله" والجماعات المرتبطة بإيران. ويعكس ذلك توجهاً أميركياً نحو دعم جيش قادر على ضبط الحدود ومكافحة التنظيمات التي تعتبرها الولايات المتحدة تهديداً لأمنها وشركائها. وحتى الآن، لم تعلن واشنطن حزمة تسليح محددة للجيش السوري. وتبدو معدات الاتصالات والاستطلاع والمراقبة والمركبات المدرعة وأنظمة مكافحة المسيّرات من الخيارات المرجحة، فيما تخضع الطائرات المقاتلة ومنظومات الدفاع الجوي المتقدمة والصواريخ بعيدة المدى لحسابات أكثر تعقيداً، تتصل خصوصاً بالتفوق العسكري النوعي الإسرائيلي الذي يراعيه القانون الأميركي في صفقات التسليح المعنية. إسرائيل ترسم حدود القوة السورية تسعى إسرائيل إلى منع الجيش السوري من امتلاك منظومات عسكرية قادرة على تقييد حرية عملياتها الجوية، وقد ترجمت هذا التوجه بضربات استهدفت منشآت عسكرية داخل الأراضي السورية. ففي آب/أغسطس الماضي، قصفت إسرائيل قاعدة أبو الظهور الجوية قرب حلب، بعدما أفادت معلومات استخبارية إسرائيلية بوجود خطط تركية لنشر رادار ومنظومات دفاع جوي وقوات في القاعدة. ووفق تقارير إسرائيلية، يرتبط القلق بإمكان تقييد حركة الطائرات الإسرائيلية فوق سوريا، بما يؤثر أيضاً في العمليات العسكرية المحتملة تجاه إيران. وتكتسب الضربة دلالة خاصة بالنظر إلى موقع القاعدة في شمال سوريا، بعيداً عن مناطق الاحتكاك المباشر مع إسرائيل، فيما انتقد المبعوث الأميركي توم براك الهجوم وشكك في مبرراته. رجل يقود دراجة نارية في بلدة أبو الظهور السورية، 18 آب/أغسطس 2026. (رويترز) ويضع ذلك دمشق أمام معضلة عسكرية أساسية، إذ تحتاج إلى منظومات دفاع جوي لحماية أراضيها ومنشآتها، في وقت تسعى إسرائيل إلى الاحتفاظ بحرية الحركة في الأجواء السورية. وقد يصبح امتلاك هذه المنظومات الاختبار الأبرز لحدود التسليح المسموح به. وفي موازاة القيود الإسرائيلية، تتنافس قوى أخرى على المساهمة في بناء المؤسسة العسكرية السورية. فقد وقّعت تركيا وسوريا اتفاقاً للتعاون في التدريب والاستشارات العسكرية في آب 2025، مع تعهدات تركية بتوفير تجهيزات وأسلحة ودعم لوجستي. أما روسيا، فقد حافظت على موقع في ترتيبات إعادة بناء الجيش، وعززت هذا الدور بتفاهم أُعلن في آب الماضي بشأن إعادة تنظيم وجودها في قاعدتي حميميم وطرطوس وتحويلهما إلى مركزين مشتركين للتدريب وبناء القدرات. وتحتفظ موسكو بأفضلية تقنية مرتبطة بالترسانة الثقيلة الموروثة من الجيش السابق، التي تضم أسلحة روسية وسوفياتية المنشأ تحتاج إلى ذخائر وقطع غيار وخدمات صيانة. ويتيح تعدد الشركاء لدمشق تنويع مصادر التسليح، لكنه يفرض عليها إدارة مصالح متعارضة، خصوصاً بين تركيا وإسرائيل، مع استمرار قدرة واشنطن على التأثير في الخيارات العسكرية السورية. عناصر من الجيش السوري يسيّرون دورية على الحدود السورية - اللبنانية في ريف القصير، 1 نيسان/أبريل 2026. (أ ف ب) من لبنان إلى اليمن... أي مهمات تنتظر الجيش؟ تتزايد المؤشرات إلى رغبة أطراف إقليمية ودولية في توسيع أدوار الجيش السوري خارج الحدود، بالتزامن مع إعادة بناء قدراته العسكرية. فقد دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب مراراً إلى إسناد دور لدمشق في مواجهة "حزب الله" في لبنان، معتبراً أن قوات الشرع قادر