قبل فترة، وفي سياق فرض الهيمنة، نقل العدو الإسرائيلي النقاش حول «اليوم التالي» في جنوب لبنان إلى مكان آخر؛ مكان يُفترض أن يخضع فيه كل شيء تقريباً للتدقيق، وأن يكون تحت إشرافه. بدا واضحاً أن تل أبيب، ومن خلفها الولايات المتحدة، تريدان رسم صورة جنوب لبنان وفق رؤيتهما واستراتيجيتهما. والقضية أن هذا التصور قد لا يكون مخصصاً للزمن الراهن، بل لمرحلة لاحقة، حين يحين، بنظرهما، الوقت لكي يعود جنوب لبنان «لبنانياً»، ولكن وفق شروط محددة. وكما بات معلوماً، يرتبط ذلك بجملة شروط تعتبر إسرائيل أنها اتفقت عليها مع لبنان من خلال «اتفاق الإطار». بمعنى آخر، لا انسحاب إسرائيلياً من الجنوب قبل نزع سلاح حزب الله. وهذا الشرط يُشكل، عملياً، الإطار التنفيذي للاتفاق، فيما تنكر السلطة اللبنانية أن يكون الاتفاق قد تضمن شروطاً تنفيذية تحوّله من مجرد «إطار» إلى اتفاق ذي موجبات، بما كان يستدعي، في حال صحّ ذلك، إقراره داخل المؤسسات الدستورية. أساساً، لا يقدم القادة الإسرائيليون الحاليون جدولاً زمنياً للانسحاب. بل إن بعضهم بات يتجرأ على نفي وجود نية للانسحاب من أصله، لا اليوم ولا غداً. وهذا يجعل حتى الإطار التنفيذي المضبوط على توقيت نزع السلاح غير ضامن للانسحاب الإسرائيلي في حال تطبيقه. لا بل إن بعض البدلاء المحتملين لبنيامين نتنياهو في رئاسة الحكومة، مثل رئيس حزب "يَشار" غادي آيزنكوت، يعارضون هم أيضاً الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جنوب لبنان، ويربطونه بإجراءات تنفيذية. فيصبح الإختلاف مع نتنياهو في الشكل وليس المضمون. ومؤخراً، بدأت ذرائع البقاء الإسرائيلي الطويل في جنوب لبنان تُدعَّم بنصوص ومعتقدات وخطابات دينية، من قبيل الادعاء بوجود جذور أو أنساب يهودية في بعض القرى الجنوبية، أو الزعم بوجود قبور يهودية فيها أو القول إن ما يتواجد من قبور لصالحين، تعود ببساطة إلى أسباط يهود، بما يُستخدم، من وجهة نظر التيارات الدينية الصهيونية الراديكالية، لتبرير ما يسمى «الاستقرار اليهودي التاريخي» في جنوب لبنان. وإذا رُبط ذلك بالحركة والتقارير التي يجري الحديث عنها أمنياً، والمتمثلة بمحاولات شركات شراء أراضٍ في المناطق المحتلة جنوباً، يصبح السؤال عن حجم المشروع الإسرائيلي وأبعاده المستقبلية أكثر إلحاحاً. بالعودة إلى الأصل، طرح الأميركيون، بعيداً عن الأضواء، صيغة يمكن تسميتها بـ«اليوم التالي» في لبنان. وهي تكاد تشبه، من حيث الفكرة، صيغة «مجلس السلام» في غزة، وإن جاءت في إطار مختلف: تأسيس شركة لبنانية تتولى عملية إعادة إعمار مناطق الجنوب بعد الوصول إلى ما يسمى «الحل النهائي»، القائم، بحسب التصور المطروح، على نزع السلاح، وتمكين الدولة، وما يوصف بـ«استعادة ولاء الطائفة الشيعية». طبعاً، لم تحدد الولايات المتحدة نطاق المشروع الذي تفكر فيه، ولا حدوده الجغرافية ولا ضماناته. فإسرائيل، التي تحتل أجزاء من الجنوب وترسم خطوطاً ميدانية فيه، لم تحسم بعد ما إذا كان انسحابها سيشمل جميع المناطق، أو أنها ستُبقي، مثلاً، على قرى ضمن ما يسمى «الخط الرمادي» الذي رسمته بعمق يصل إلى أربعة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية، متجاوزة بذلك الخط الأزرق الذي يستند إليه القرار 1701/2006، والحدود الدولية الواردة في اتفاقية الهدنة لعام 1949، وقبلها اتفاقية بوليه–نيوكومب لعام 1923. كذلك، لم يُحسم مصير «الخط الأصفر» الزاحف والمطاط، الذي لا يُعرف أين يبدأ متى وأين يمكن أن ينتهي. واكتفت واشنطن بالإشارة إلى أنها ستعمل مع شركاء لبنان على توفير الأموال اللازمة لإعادة الإعمار، عندما تصبح الالتزامات المطلوبة من لبنان ناجزة. لكن ما يتسرب يوحي بأن عملية «التدقيق» التي جرى الحديث عنها في أكثر من دائرة، والمتعلقة بطبيعة الأشخاص الذين سيسكنون المناطق التي قد تنسحب منها إسرائيل لاحقاً، ستكون أوسع بكثير من مجرد تدقيق أمني بالسكان. فوفق هذا التصور، سيتولى فريق دولي تحت إشراف أميركي - إسرائيلي التدقيق بالمدنيين لمعرفة ما إذا كان بينهم عسكريون أو مقاومون، على أن يستمر هذا التدقيق بصورة دائمة لتوفير ضمانات أمنية لإسرائيل. والأخطر أن المشروع، وفق المعلومات المتداولة، لن يتوقف عند السكان، بل قد يشمل كل شيء تقريباً: من رخص البناء إلى المباني والمنازل نفسها، وخرائطها، ووجهة استخدامها، وصولاً إلى أدق التفاصيل المتعلقة بما يوجد فوق الأرض وتحتها. وقد نصبح أمام إدارة تدرس التراخيص وتوافق على منحها وتحدد النطاق الجغرافي المسموح البناء داخله! وقد تُخصص لجان لا لدراسة كل رخصة بناء على حدة، بالتعاون مع الدولة اللبنانية فحسب، بل لتشكيل إطار رقابي دائم يتابع عمليات الإعمار بصورة دقيقة. وهذا قد ينسحب أيضاً على المشاريع العامة والبنى التحتية، بحيث لا تعود البلديات قادرة على تنفيذ مشاريعها بصورة مستقلة، أو بالتعاون مع إستشاري مقاول ت